تحقيق غادة دايخ وكوثر عيسى
تذكر الروايات القديمة العابقة بإرث السنين عن قرية “مزرعة مشرف” الجنوبية التي تحيط بها الوديان من أربعة أماكن وتطلُ على بحر صور في مرتفعاتها وتسمّى بساحل صور، ان معركة دارت بين آل شكر وآل الصغير وكصراع بين الإقطاعيين قضى آل شكر على آل الصغير بنسبة تسعين بالمئة منهم، ومع الأيام وُلد طفل من آل الصغير إسمُه مشرف ونشأ على الثأر لأهله، جمع أنصارهُ وأتى إلى مزرعة مشرف التي كانت تُسمى في ذلك الوقت “مزرعة البيّاض”، هجم مشرف وأنصاره على “بيت شُكر” وقتلوا عدداً كبيراً منهم، ومُذّ ذلك الوقت سُميت “بمزرعة مشرف” وعمّر مشرف منزلاً في القرية بعد تفاؤلهِ بها وما زال البيت حتى يومنا هذا وعمرهُ ألف ومئة سنة ونقشَ على واجهة البيت ” قسماً بما أحاطت أباطحُ مكّة ومن آيات الكتاب المُنزل لم أبنها طمعَ الخلود وإنّما هي زينة الدُنيا لأهل المنزل”.
مزرعةُ مشرف ترأست نفسها مع غياب شرطة بلدية فيها، تُعدُّ ثاني أكبر مساحة بقضاء صور تصلُ نسبة مساحتها إلى عشرة آلاف هكتار، ترتفع عن سطح البحر مسافة 420 متر، يصل عدد سُكَانها الإجمالي إلى ثلاثة آلاف نسمة ولكن المقيمينَ فيها لا يتجاوز عددُهم الألف، ينتشر أغلبية أبنائها في كل بقاع الأرض، خمسون بالمئة منهم في الخارج: أفريقيا، أميركا، أميركا اللاتنية “فنزويلا”، أوروبا وبعض دول الخليج، وثلاثين بالمئة يسكنون في مدينة بيروت.
تكثر فيها المنازل القديمة التي ما زالت تحافظ على بنائها العتيق والجميل ، شوارعها محافظة على نظافتها بشكل دائم إذ أن أهالي البلدة يبادرون بأنفسهم على تنظيفها وحماية مظهرها.
كل الكُتب التي نصّت عن جبل عامل كان لمزرعة مشرف ذكرٌ فيها، لأهمية موقعِها وتاريخها، منها كتاب الشيخ علي الزين ” تاريخ جبل عامل “، وكتاب ” معجم بلدان جبل عامل” للعلّامة الشيخ إبراهيم، أو كُتب أُخرى للسّيد مُحسن الأمين وكتاب جابر آل صفى.
وقد بنى المُطران آفينتوس زُلحف الذي كان له صدى كبيراً بالعهد العثماني بيتاً في مزرعة مشرف وما زال مشيداً منذ ثلاثمئة سنة، بعد أن استدعى في ذلك الوقت خُبراء إيطاليين لمسح منطقة الجنوب لإختيار أرض للعيش فيها بعد المرض الذي اشتدَّ عليه واختاروا مزرعة مشرف كأفضل مناخ ملائم له.
تتعدّد العائلات في مزرعة مشرف ومنها عائلة وزني التي هي من أكبر العائلات، الأسعد، الحكيم، الرملاوي، الحاوي، عبّود وشومان.
في بعض الوديان من هذه القرية يوجد طريق يسمّى “وادي آشور” يربط البلدة بأكثر من قرية وصولاً الى فلسطين، وقد ذُكر في كتاب الإنجيل والتاريخ، ويُقال أن النبي عيسى(ع) قد مرّ بطريق هذا الوادي على الدابّة ليصل إلى مغارة قانا.
تتفوق مزرعة مشرف علمياً نسبةً لعدد سكانها بجميع الإختصاصات، فهي تضمُّ مجموعة أطباء يزيد عددهُم عن الثلاثين على صعيد العالم، منهم الدكتور أسامة وزني من أهم الأطباء في العالم (طبيب قلب بتكنولوجيا متطورة)، وجيه وزني رجل بارز جداً في شركة الهوفر في أمريكا، مدير مبيعات لشركة نيسان بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا السيد عبد الإله وزني، الدكتور محمد حكيم من أكبر الجراحين في أمريكا، والعديد من المثقّفين.
وخلال زيارة موقع صوت الفرح لمزرعة مشرف والتجول التقينا رئيس البلدية السيّد أحمد حكيم وتحدثنا عن العمل البلدي المستحدث حيث مارس عمله كرئيس منذ عام 2004 وكانت المرة الأولى التي تحصل القرية على بلدية لأقلية ساكنيها، فضّل السّيد أحمد أن يكون المجلس البلدي كقدوة للمستقبل يبتعد كل البُعد عن الإنتماءات السياسية والعائلية والحزبية فهم وُجدوا لخدمة المواطن مشددّا على أنّ العمل البلدي عمل إنمائي يتجرّد من المحسوبيات.
أمَا المشاريع المنجزة من قِبل البلدية وأهمُها حسب قوله مشروع بئر ماء إرتوازي فكل القرى تعاني من الشُّح في المياه، حيث اعتبر المجلس البلدي هذا الإنجاز من الأولويات لحل مشكلة المياه رُغم الكلفة الباهظة للمشروع بسبب كُبر مساحة القرية فالعمل تجاوز قدرة البلدية ولكنه أُنجز بمساعدة بعض الخيّرين من أبناء البلدة، كما واستأجرت البلدية مولّداً كهربائياً لتغذية الناس بالمياه رُغم الأطراف المترامية والبيوت البعيدة عن بعضها وقد شعر أهل القرية بأهمية المشروع وقدّروا الإنجاز الهام للبلدية.
تمَ العمل أيضاً على محطة تكرير المياه وورشة تزفيت لكل طرق القرية وتوسيعها، وبالتعاون مع القوّات الماليزية أُنشىء ملعب ميني فوتبول، فقد كانت البلدية الصمّام المفجّر للناس ولحاجاتهم بعد سنوات طويلة من الحرمان، فهي قد تكون البلدية الوحيدة الغير مديونة والتي تُقدّم الكثير للبلدة.
هذا وتحدث نائب رئيس البلدية علي عبد اللطيف وزني عن وجود حزبين فقط في المزرعة هما حزب الله وحركة أمل ، وقد تواجد كل منهما من أجل خدمة الناس دون وجود أية مشاكل أو توترات بين الإثنين، إنّما هدفهم واحد هو مصلحة مزرعة مشرف فقط.
وفي حوارنا مع عضو البلدية الأستاذ محمد الأسعد الحاصل على دكتوراه في الأدب العربي، فقد لجأ إلى إعطاء البلديات بشكل عام كامل حقها بالقول:” كل قرى تنقصها ثقافة والبلدية لها أكثر مما عليها، فالظروف السياسية والعائلية تتحكّم بها وهذا لا يخلقُ تجانس ضمن المجلس البلدي وجزء من أعضاء البلدية يكونوا الفعَّالين على الأرض، العديد من المشاريع قدّمتها بلدية مزرعة مشرف للقرية ومن أهمها مجموعة من الشبكات الزراعية للطرقات، واقترحنا مؤخراً إطلاق أسماء على بعضِ الطُرقات لأشخاص تركوا أثر تاريخي كبير للمزرعة مثل: عبدالله رملاوي الذي بنى حسينية للبلدة قديماّ وهو من أهمّ فاعلي الخير آنا ذاك.
وتابع :” أي مشروع كان يُخطَط للبلدة لا يتأخر ولا يتوانى المغتربين للمبادرة بالمساعدة لإفادة أهلهم ووطنهم الصغير”.
وقد إلتقينا أيضاً بالنَاشطة أم عقيل وزني (عضو في البلدية) وإمرأة فاعلة من الشمال-عكّار، عاشت في جنوب لبنان بعد صدفة واجهتها والقدر الذي اختار لها الزواج والعيش في جنوب لبنان، وهي ترى أن هناك أوجه شبه كثيرة بين الجنوب والشمال فلم تجدّ أي صعوبة وأكدّت أنه من لم يرى الجنوب فهو لم يرى شيء، أم عقيل تهوى العمل الإجتماعي وخدمة ومساعدة الناس، فقد كانت من الهيئة الإدارية في الصليب الأحمر اللبناني فرع صور وما زالت عضواً فيها، عضواً في لجنة أُمهات صور، واحدة من فريق الحركة الثقافية، وحالياً عضو في نادي جويّا وعضو في بلدية مزرعة مشرف.
ولفتت الأخيرة إلى أن المرأة هي نصف المجتمع والرجل والمجتمع لهم دور كبير في دعمها، يجب على كل مرأة أن تُثبت نفسها وتسعى للعمل للأجيال القادمة وتُشجّع كل النساء للوصول إلى رُتب عالية والمشاركة في المخترة والبلديات والجمعيات وغيرها.
وفي جولتنا في أرجاء القرية مع رئيس البلدية وبعض أعضائها تحدّثنا إلى مصطفى عبّود المسؤول التنظيمي لشعبة حركة أمل الذي ذكر أنهم يتعاونون مع البلدية في النشاطات الإجتماعية ويعملون لمصلحة قريتهم ومستعدون في أي وقت لأيّ عمل.
المواطن محمود شومان مقييم في المزرعة:” قريتنا ما زالت تملك كُلَّ المعاني التي تحملها القرى من طبيعتها وأهلها وميزتها أنها واقعة في زاويةٍ خاصةٍ يسكنها الهدوء، تشتهر بزراعة الزيتون والدُّخان ولكنها تعتمد في عيش أهلها على المغتربين، والبلدية تُقدّم كلّ ما تقدر عليه.
يبقى السؤال إذا لم يكن في وطننا طبيعة مثل جنوبه، وأهل كطيبة أهله فكيف سيطيب العيش!
