حسين سعد – المدن
ميس الجبل، يارون، وعيترون. لم يعد في هذه البلدات والكثير من جاراتها القرى الحدودية الثكلى، أي معلم من معالم الذاكرة تربط الماضي بالحاضر.
كل شيء أصبح في خبر كان، ساحات القرى وبيادرها. حاراتها القديمة بحجارتها المقصبة بفؤوس ومعاول فلاحيها، ومقامات الأنبياء والاولياء، والمساجد الشاهدة على تأسيس القرى، وكنائس، وبيوت الطين والسلالم المعلقة، والعتبات التي تؤرخ إنشاء بعضها، إلى جانب مكتباتها والألبومات، والصور المعلقة على الجدران العتيقة.
أكوام ردميات
آلة الحرب الإسرائيلية المتعطشة للانتقام طحنت بشكل ممنهج وهمجي، هذه القرى، التي كانت أقرب إلى مدن صغيرة، وأحالتها إلى ما قبل تاريخ إنشائها حجراً حجراً.
ما سلم من عدوان 2023- 2024، جرى الإجهاز عليه في جولة الحرب المستمرة. حرب حوّلت الحارات القديمة، في ميس الجبل، ويارون وعيترون، إلى رماد.
صارت ذاكرة هذه البلدات، وروحها النابضة، أكواماً من الردميات، وأكثر من ذلك، رماداً منثوراً نحو الجبال والسماء، تنتظر الولادة من جديد، على ذات الأرض، التي نبتت فيها مداميك المنازل.
ميس الجبل: خسارات الماضي والحاضر
تروي ميس الجبل، التي كانت تضم 6500 وحدة سكنية، وأكثر من مئتين وخمسين مؤسسة تجارية ومصنعاً، وبيوت الكدان والمقامات، عن وجعها وصبرها في آن.
يتحسر رئيس بلدية ميس الجبل، حبيب قبلان، على ما حل ببلدته- مدينته، كونه واحداً من أبنائها، الذين ولدوا وعاشوا تحت افيائه.
يعدد قبلان، حجم الخسارات، التي تبدأ بالأرواح، ولا تنتهي بسحق البيوت والمنازل ومؤسسات السجاد العامرة، ومصانع المفروشات والبياضات، وحتى مقابر الأموات.
يقول قبلان لـِ “المدن” كانت مدينتنا عامرة، صخرة في وجه الأعداء، وستبقى كذلك بهمة وإرادة اهلها. كانت ميس، وهي تحمل هذا الاسم، نسبة إلى أشجار الميس، على الأرجح، تنقسم مع بدايات ولادتها الحديثة، إلى حارتين، الحارة الشرقية، والحارة الغربية، كانتا شريان الحياة لأهالي ميس.
ويتابع قبلان، هاتان الحارتان، تم المحافظة على غالبية بيوتهما القديمة، بالرغم من التمدد والتطور العمراني.
ولم يشملهما التدمير الكامل في عدوان 2023- 2024. ولكن خلال هذا العدوان، تحولت الحارتين، إلى ركام، بعد أن تم جرف بيوتها الضاربة بالتاريخ.
وأكد قبلان أن ميس، كانت زاخرة بالمعالم التاريخية، لا سيما الدينية والتراثية، ومن هذه المعالم، التي تعني الكثير للميسين من كافة الأجيال، قبر المحقق الميسي، ويفوق عمره على ستماية سنة، كان موجوداً في المقبرة الشرقية، إلى جانب قبري الشيخ موسى قبلان، ووالده الشيخ محمد علي قبلان.
ويضيف، خسرنا تراثاً عامراً، كانت تتغنى به ميس . فقد مسح جيش الإحتلال، مسجد الشيخ آل إبراهيم، وهو مسجد قديم، ومسجد ومقام أبي ذر الغفاري، ويقال أنه مدفون فيه، وايضاً مقامين للنبيين همام ومنذر، والجامع الكبير، والنوادي الحسينية والمؤسات التربوية والتعليمية والصحية، وتخريب بركة ميس، التي جرى تأهيلها بعد عدوان 2023. وقال: كان الكثير من بيوت ميس الجبل في الحارتين، ما يزال يحافظ على فن العمارة القديمة، وهي بيوت مبنية بحجارة صخرية تشتهر فيها البلدة، تعلوها القبب بلمسات فنية، وسقوف من الخشب والتراب.
يارون: ناصيف النصار والكنيسة والمسجد
تجمع بلدة يارون الحدودية، في قضاء بنت جبيل، بين العراقة والحداثة، إلى جانب التنوع الديمغرافي الفريد من نوعه في بلدات وقرى المنطقة.
تضم البلدة، واسعة الانتشار والتمدد العمراني، الكثير من الآثار والتراث العمراني في مبانيها ومساجدها وكنيستها وأكبر احراج الصنوبر في المنطقة.
خسائر يارون، التي تحوي آثاراً بيزنطية ورومانية، لا تعد ولا تحصى، فقد فقدت في حرب الإسناد، أكثر من ثمانين بالمئة من منازلها وبيوتها وقصورها، وأضخم وأعرق المساجد، وكنيسة يزيد عمرها مئات السنين. وأيضاً تجريف ضريح ناصيف نصار العاملي، شيخ مشايخ جبل عامل المعروف بالشيخ ناصيف النصار، الذي قتل سنة 1781 في الحرب التي جرت بينه وبين عسكر الجزار قرب قرية يارون ودفن فيها.
خلال العدوان الحالي، محت أعمال التفجير والتجريف، روح يارون القديمة، المتمثلة بأحد أديرتها ومساجدها ودساكرها.
وبحسب نائب رئيس بلدية يارون حسين جعفر، فإن شريان الماضي العابق بالتاريخ، والحاضر العمراني والجمالي، قد اندثرا، وتحولا إلى خبر كان، يحفظ فقط بالصور وذاكرة الأجيال المتعاقبة، التي أرعبها ما حل ببلدتهم من تدمير.
ويلفت جعفر أن عدد منازل يارون، من بينها قصور فاخرة، بنيت بتعب وعرق أبنائها المقيمين والمغتربين، كان يتجاوز التسعماية منزل، ومنها بيوت الحارات القديمة، المبنية بالحجر الصخري الأبيض. ولم يبق من هذه البيوت المترامية من حدود فلسطين، وحتى بنت جبيل ومارون ورميش، سوى عشرات قليلة من البيوت، وفق ما نحصل عليه من الخرائط الجوية.
ويضيف جعفر، أن آخر تحديثات الإعتداءات الإسرائيلية على يارون، كان تدمير صرحٍ تعليميٍّ معروف: مدرسة مار جاورجيوس التابعة للراهبات المخلّصيات، والتي تضم أيضاً ديراً مخصصاً للراهبات الذي خرّج أجيالاً من أبناء المنطقة قبل إغلاقه القسري.
وذكر جعفر أن 98 بالمئة من يارون اصبحت مدمرة وأثراً بعد عين، ومن بينها المعالم التاريخية والأثرية، ضمنها كنيسة وثلاثة مساجد وناد حسيني ضخم، ومقام الخضر، الذي يطلق عليه أخواننا المسيحيون، مقام مار جورجيوس، ويقيم فيه المسلمون والمسيحيون الصلاة، وأكبر الملاعب المسقوفة، ومسبح دولي، وتجريف الجبانة التي يعود عمرها إلى أربعماية عام، وعدد لا يحصى من الصروح.
عيترون: حارسة المالكية وبنت جبيل
تشكل حارات بلدة عيترون، جارة بنت جبيل، شاهداً على مراحل تاريخية، وأجيال متعددة، غرفت من معين بيوت الطيبة وحب الأرض، المتحالفة حتى العظم، مع شتلات التبغ والقمح والزيتون.
أزهق الاحتلال الإسرائيلي في الجولة الأولى من حرب الإسناد آلاف منازل البلدة، التي بقي جزء منها تحت نير الإحتلال، وحصد أيضاُ مئات البيوت القديمة في وسط البلدة.
في هذا العدوان المستمر والمتواصل، بالرغم مما يسمى بالهدنة، فإن جيش الإحتلال يستكمل يومياً أعمال التفجير والتجريف، بواسطة جرافات ضخمة عسكرية ومدنية، إستقدمها من داخل فلسطين المحتلة.
شملت أعمال التجريف، بدءً من الأيام الأولى للحرب الحالية المندلعة منذ الثاني من آذار، محو مئات المنازل في كافة الأحياء، من بينها أحياء البلدة القديمة المجاورة لمبنى البلدية، الذي كان شيد على انقاض بركة المياه التاريخية.
نائب رئيس بلدية عيترون، نجيب قوصان، يقول: كانت عيترون تضم 3600 بيت، دمر منها في عدوان 2023- 2024، حوالي ثمانماية بيت، واليوم لم يبقَ حتى اللحظة سوى عشرات قليلة من المنازل، ومبنى البلدية، الذي يتخذ منه جيش الإحتلال تجمعاً له.
وأضاف قوصان أن حارات عيترون القديمة المجاورة للبلدية، والمسجد والحسينية، عمد الاحتلال إلى جرف بيوتها القديمة المبنية بحجارة صخرية، يعود في غالبيتها لأكثر من مئة عام، وبعض هذه البيوت كانت مسقوفة بالخشب والتراب.
وقال قوصان، إن هذه الإحياء، كانت مرتع الطفولة والحكايات والأسرار لأجيال متعاقبة. كانت مليئة بالطيبة والحب. وفيها من رائحة الآباء والأمهات والأجداد، الذين كانوا يحرسونها برموش العيون.
ويضيف قوصان: لقد غابت الدكاكين القديمة، ذات الأبواب الخشبية المعتقة، وأيضاً “الأوضة”، التي صار ينسب إليها حارة “ورا الأوضة” في البلدة.

