لبنان بين ذاكرة الحروب وقلق الحاضر: وطنٌ ينجو على حافة الانهيار – كتب المحامي علي كوثراني

لبنان بين ذاكرة الحروب وقلق الحاضر: وطنٌ ينجو على حافة الانهيار

منذ نشأته الحديثة، لم يكن لبنان بلداً بعيداً عن الحروب والأزمات التي عصفت بالمنطقة. فتركيبته الداخلية الدقيقة، وموقعه الجغرافي الحساس، جعلاه دائماً في قلب التجاذبات الإقليمية والدولية، حتى بدا وكأنّ هذا الوطن يعيش على إيقاع الأزمات المتلاحقة، ينتقل من مرحلة اضطراب إلى أخرى، دون أن يفقد بالكامل قدرته على الصمود وإعادة ترميم نفسه.

وعند قراءة أبرز الحروب التي مرّ بها لبنان، يمكن ترتيبها بحسب حجم تأثيرها وخطورتها على الدولة والمجتمع اللبناني على الشكل الآتي:

في المرتبة الأولى، تبقى الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990 الأكثر دموية وتعقيداً في تاريخ لبنان الحديث. فهذه الحرب لم تكن مجرد مواجهات عسكرية، بل انهياراً شاملاً للدولة ومؤسساتها، وانقساماً داخلياً حاداً، وتهجيراً وقتلاً على الهوية، إضافة إلى تدخلات إقليمية ودولية جعلت لبنان ساحة مفتوحة للصراعات. وما يزيد من خطورة تلك المرحلة أنّ آثارها السياسية والاجتماعية والنفسية لا تزال حاضرة حتى اليوم، وإن تغيّرت الظروف والأدوات.

أما في المرتبة الثانية، فتأتي حرب تموز عام 2006، أو ما عُرف بحرب الـ33 يوماً، والتي شكّلت محطة مفصلية في تاريخ لبنان والمنطقة. فرغم مدتها القصيرة نسبياً، إلا أنّها خلّفت دماراً واسعاً وخسائر بشرية ومادية كبيرة، وأكدت هشاشة الاستقرار اللبناني أمام أي تصعيد إقليمي. كما أظهرت تلك الحرب حجم الترابط بين الساحة اللبنانية والتوازنات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط.

وفي المرتبة الثالثة، يبرز الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، والذي أدخل البلاد في مرحلة طويلة من الاحتلال والتوترات الأمنية والسياسية، وأسهم في إعادة رسم جزء كبير من المشهد الداخلي اللبناني، سواء من ناحية الاصطفافات السياسية أو التحولات العسكرية التي شهدتها البلاد لاحقاً.

غير أنّ لبنان في السنوات الأخيرة لم يعد يواجه فقط الحروب التقليدية، بل دخل في نوع آخر من الصراعات، تمثل بالانهيار الاقتصادي والمالي غير المسبوق منذ عام 2019، والذي أصاب اللبنانيين في صميم حياتهم اليومية، ودمّر القدرة الشرائية، وضرب مؤسسات الدولة، ودفع شريحة واسعة من الشباب إلى الهجرة أو فقدان الثقة بالمستقبل.

واليوم، يعيش لبنان مرحلة لا تقل خطورة عن المراحل السابقة، في ظل الحرب المستمرة والتوترات العسكرية المفتوحة على احتمالات واسعة. فالمشهد الحالي، بما يحمله من استنزاف أمني واقتصادي ونفسي، يعيد إلى ذاكرة اللبنانيين صور الحروب الماضية، لكنه يأتي هذه المرة في ظل دولة أكثر ضعفاً، وشعب أكثر إنهاكاً، وأوضاع معيشية لم تعد تحتمل المزيد من الضغوط.

وقد شكّلت حرب الـ66 يوماً الأخيرة محطة شديدة القسوة على اللبنانيين، ليس فقط بسبب حجم الدمار والخسائر، بل لأنها أعادت تثبيت شعور القلق الوجودي لدى الناس، وأكدت أنّ لبنان ما زال عرضة للاهتزاز مع كل انفجار إقليمي.

أما الحرب الحالية، فهي تبدو أكثر تعقيداً وخطورة، لأنّها لا تجري بمعزل عن مشهد إقليمي مشتعل يمتد من غزة إلى جنوب لبنان وسوريا وساحات أخرى، ما يجعل المنطقة بأكملها أمام مرحلة إعادة رسم للتوازنات السياسية والعسكرية.

وفي خضمّ هذا المشهد، يصبح الخوف مشروعاً، لكنّ الأخطر من الحرب نفسها هو فقدان الأمل. فالشعوب التي تستسلم لليأس تصبح أكثر هشاشة من أي تهديد خارجي. ومن هنا، فإنّ مسؤولية الحفاظ على الوحدة الداخلية، والتمسك بمنطق الدولة والمؤسسات، تبقى أولوية وطنية لا تقل أهمية عن أي مواجهة أخرى.

لقد أثبت اللبنانيون، رغم كل ما مرّ عليهم، أنّهم قادرون على النهوض بعد كل أزمة، لكنّ المنطقة اليوم تقف أمام مفترق خطير، حيث لم تعد الحروب مجرد نزاعات حدودية أو سياسية محدودة، بل تحوّلت إلى صراع مفتوح على مستقبل الشرق الأوسط بأكمله. وبين أصوات التصعيد والدمار، يبقى الأمل بأن تدرك شعوب المنطقة، قبل فوات الأوان، أنّ الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالحروب المستمرة، بل بإرادة الحياة، واحترام الإنسان، والعودة إلى منطق الدولة والقانون بدل منطق النار والانهيار.

المحامي علي كوثراني

Leave A Reply