فاطمة شعيتو – خاص صوت الفرح
في لحظات الانهيار الوطني، لا تعود المؤسسات تقاس ببرامجها الأكاديمية أو إدارتها الإدارية، بل بقدرتها على القيام بدورها الإنساني حين تتقدم المأساة على كل شيء. في تلك اللحظات تحديدًا، يتقدّم المعنى على الشكل، وتصبح القرارات الكبيرة تلك التي تمسّ حياة الناس مباشرة، لا تلك التي تُكتب في التقارير.
من هذا المنطلق، برز دور البروفسور حسن اللقيس، ابن بلدة بوداي، والأكاديمي الذي جمع بين الخبرة الجامعية والمسؤولية الوطنية، كرجل إدارة اختار أن يضع المؤسسة التي يرأسها في قلب الحدث الإنساني منذ اللحظة الأولى للحرب الأخيرة.
فمع بدء موجات النزوح، لم تتردد الجامعة الإسلامية في لبنان في فتح أبوابها أمام العائلات التي فقدت بيوتها وأمانها، لتحوّل حرمها الجامعي إلى مساحة إيواء وحماية وخدمة إنسانية شاملة، في خطوة عكست رؤية تتجاوز الوظيفة الأكاديمية إلى مفهوم أوسع للجامعة كجزء حيّ من المجتمع.
لم يكن القرار، بحسب اللقيس، مجرد استجابة ظرفية، بل ترجمة عملية لفكر متجذّر في مدرسة الإمام موسى الصدر، التي وضعت الإنسان في قلب المشروع الوطني، واعتبرت أن كرامته ليست تفصيلاً بل أساسًا لكل عمل عام. كما يأتي هذا النهج امتدادًا للمسار الذي حافظ عليه دولة الرئيس نبيه بري، الذي شكّل عبر العقود عنوانًا لحماية الاستقرار الوطني وترسيخ فكرة الدولة في أصعب الظروف.
في الجامعة الإسلامية، لم يقتصر الأمر على فتح الأبواب، بل على بناء منظومة متكاملة لإدارة الأزمة الإنسانية. فقد جرى تأمين الإيواء للنازحين داخل الحرم، وتنظيم أماكن المبيت بما يحفظ الكرامة الإنسانية، إضافة إلى توفير الغذاء اليومي، والرعاية الأساسية، والمستلزمات الضرورية، إلى جانب متابعة دقيقة للاحتياجات المتغيرة للعائلات.
تحوّلت الجامعة، في تلك المرحلة، من مؤسسة تعليمية إلى مساحة حياة مؤقتة، حيث تداخل الدور الأكاديمي مع الواجب الإنساني، في تجربة أعادت تعريف وظيفة الجامعة نفسها في مجتمع يعيش تحت ضغط الحرب. فالمؤسسة التعليمية، في هذه الحالة، لم تعد محصورة في القاعات الدراسية، بل أصبحت جزءًا من منظومة الصمود الاجتماعي.
ويشير اللقيس إلى أن هذا التحول لم يكن خروجًا عن الدور الأكاديمي، بل عودة إلى جوهره الحقيقي، حيث لا يمكن فصل العلم عن الإنسان، ولا المعرفة عن مسؤولية المجتمع. فالمؤسسة التي لا تنحاز للناس في لحظات الخطر، تفقد جزءًا من معناها، مهما كانت إنجازاتها العلمية.
وقد جرى التعامل مع النازحين داخل الجامعة بوصفهم عائلات بحاجة إلى احتضان كامل، لا مجرد استقبال مؤقت. لذلك، تم تنظيم الحياة اليومية داخل الحرم بطريقة تحفظ النظام والكرامة معًا، في ظل عمل ميداني مستمر شارك فيه طاقم إداري وإنساني واسع، لضمان تلبية الاحتياجات الأساسية بشكل يومي ومنتظم.
في خلفية هذا الدور، يضع اللقيس تجربته ضمن سياق فكري أوسع، يرتبط مباشرة بمدرسة الإمام موسى الصدر، التي ترى أن الدولة تُقاس بمدى قدرتها على حماية الإنسان، وأن السياسة ليست إدارة مصالح، بل التزام أخلاقي تجاه المجتمع. كما يربط هذا المسار بدور حركة حركة أمل في الحياة الوطنية، باعتبارها تجربة خرجت من وجع الناس، وحملت مشروع الدفاع عن الدولة والسلم الأهلي في آنٍ واحد.
وفي هذا السياق، لا ينفصل هذا النهج عن رؤية الرئيس نبيه بري، الذي يُعتبر في نظر اللقيس حامل أمانة هذا المشروع الوطني والإنساني، من خلال قدرته على الحفاظ على التوازن الداخلي في لبنان، ومنع الانزلاق نحو الفوضى في أكثر من محطة مفصلية.
أما على المستوى الشخصي، فتشكّل هذه التجربة، بحسب اللقيس، محطة اختبار حقيقية لمفهوم المسؤولية، حيث تتقدّم الحاجة الإنسانية على أي اعتبار إداري أو سياسي، ويتحول القرار إلى التزام يومي تجاه الناس لا مجرد موقف نظري.
وفي خلاصة هذه التجربة، يختصر اللقيس المشهد بشعار واحد يتجاوز السياسة والمؤسسات: “الإنسان أولًا”. وهو ليس شعارًا عابرًا، بل خلاصة مدرسة فكرية كاملة بدأت مع الإمام موسى الصدر، واستمرت عبر مسار الدولة والحركة والرئاسة، وصولًا إلى ترجمتها في لحظة الحرب داخل جدران الجامعة الإسلامية، حين تحوّلت المؤسسة التعليمية إلى بيت مفتوح للناس في أصعب ظروفهم.
