Banner
Adsense

قرية بحجم وطن .. بدياس نبض المقاومة ومعقل الرجال الاوفياء

تحقيق كوثر عيسى وفرح مصطفى

تصوير محمد أبو سالم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نسيمها يلفحك كالعطر الفواّح لتستدل أنك على أرض بدياس, تلك البلدة الخضراء التي مجّدت عبر التاريخ اسماء أبناءها الشهداء رمزا يفتخر به الوطن ويذكرك بملامح الضيعة الاصيلة التي يحمل أهلها معاني المقاومة على جبينهم والقوة في قلوبهم وحب كبير لضيعتهم وسعي لا يتوقف نحو تطويرها وصمودها…

قرية بدياس في قضاء صور، تبعد عن العاصمة بيروت 75 كلم وعلو عن سطح البحر 180 م, تحدها من الشرق الحلوسية, من الغرب برج رحال, من الجنوب العباسية ومن الشمال نهر الليطاني, وتضم عائلات كبيرة كعائلة قعفراني, خليل, صفي الدين, العبد, داوود, نحاس, شعلان, دياب, جرادي, غملوش, حيدر, مالكاني, ودهيني….

كما وقدمت شهداء تعتز بدياس بهم وهم 14 شهيداً سقطوا في بدياس وخارجها دفاعاً عن الوطن, هم الشهيد داوود داوود, الشهيد مرشد نحاس, والشهيد نمر دياب, الشهيد موسى حيدر, الشهيد محمد الأمين, الشهيد أحمد خليل, الشهيد حسين عباس قعفراني, الشهيد علي عطايا, الشهيد سليم العبد, الشهيد أحمد غملوش, الشهيد عباس غملوش. الشهيد هاني قعفراني، الشهيد علي العبد قعفراني, والشهيد أحمد حسين قغفراني.

موقع صوت الفرح قام بزيارة الى بلدة بدياس وقابل أهلها وأهم العائلات والفعاليات فيها تذكيراً بالمنطقة الصامدة رغم جميع الحروب والتي امتازت بقصص بطولية يفتخر الإنسان أن يسمعها.

بداية كان اللقاء مع رئيس البلدية الحاج صدر داوود، الذي أفادنا أن مساحة البلدة تبلغ 3200 دونماً ويبلغ عدد سكانها 2000 نسمة بينهم 975 ناخباً و 50 مغترباً.. وتحدث داوود عن المشاريع التي تم إنجازها من تعبيد طرقات وتأهيل البنى التحتية وغيرها.. وأشار إلى المهرجان التراثي السنوي الذي تقيمه البلدية والذي يجتذب الزائرين من مناطق عديدة.

وفي مقابلة مع المختار السابق لبلدة بدياس الحاج محمود سعيد قعفراني والذي بقي بالعمل في المخترة لمدة 43 عاماً محبة من أهل البلدة له وذلك لحرصه الدائم على تقديم الخدمات الاجتماعية والواجبات المتعلقة بأفراد المنطقة, وقد تم خلال فترته بناء أول مدرسة وبئر في لبنان وحتى الآن يعتبر الحاج قعفراني بأنه الأب الذي يستشار به قبل القيام بأي عمل.

ويخبرنا عن الشهيد داوود داوود الذي كانت تربطه به علاقة جيدة وأن أعماله جميعها كانت خيّرة ومفيدة للبلد.

أما المختار الحالي حكمت قعفراني الذي اخبرنا عن معنى اسم بدياس من خلال قراءته في احدى الكتب التاريخية فقد كان الاسم (بطياس) ومعناه المنطقة التي تشتهر بالانتاج الزراعي للتين والعنب والزيتون.

وهو امر يؤكده لنا المختار فبدياس تشتهر بهذه الزراعات ويشتهر أهلها بالكرم والاخلاق والمبادئ, وهي كعائلة واحدة تجمعهم الالفة والمحبة اعطوا ثقتهم له ليقدم واجباته من أجل خدمتهم. ويطلب من الدولة أن تنظر وتلتفت الى البلدات والمناطق ومساعدتها.

وخلال جولتنا في هذه الضيعة المتواضعة التقينا بكبار السن, كالحاج عباس مصطفى قعفراني والد الشهيد حسين قعفراني، الذي شهد أيام الحرب العالمية الثانية الصعبة والمريرة حيث القصف والدمار والذي بدأ في منطقة الواسطة, وذكر لنا حال الناس في ذلك الوقت الرجال فلاحون والنساء يركضن نحو كسب لقمة العبش.

أما الحاج رضا عبد الرضا قعفراني, فأيام الحرب العالمية الثانية كانت الاصعب بالنسبة له حيث أن الناس جميعها هربت بحثا عن مكان امن, ومنهم من تخبأ في مغارة كانت تسمى مغارة الحاج علي, حيث كان يقف فيها حرساً طوال الليل خوفا من أي اعتداء على من فيها.

وأخبرنا الحاج حسن موسى قعفراني (أبو حكمت) فأخبرنا عن علاقته بالشهيد داوود داوود الذي كان يختبئ في منزله معتبره إبناً له يخبره حين يأتي الاسرائيليون على المنطقة ليأخذ حذره ويروي لنا أعراس المنطقة في الايام السابقة التي كانت سبعة ايام للعرس الواحد يحتفل فيه ابناء الضيعة على الدبكة والبارودة. ويذكر أن الحاج موسى لا يزال يحتفظ بالسنجق والعلم من عام 1943 وهو الرمز الخاص بمنطقة بدياس.

وعن المغتربين, الذين يقارب عددهم ال 200 شخص هاجروا بدياس ولكننا التقينا بهم كونهم متمسكين بالتردد الى أصلهم ولو لزيارة قصيرة.

الحاج صلاح قعفراني المغترب منذ عام ال 1980 نحو ساحل العاج ويعمل في التجارة العامة يتردد بين لبنان وافريقيا لزيارة الضيعة واهلها والاهتمام بإمورها حيث يتمتع بمحبة أبناءها الذين يقدرون له عطاءاته الذي تمنّع أن يخبرنا بها.

الحاج صلاح لديه في افريقيا عمل يجمعه بأخويه الاثنين, عّلم أولاده على حب الوطن ورباهم على ما تربى من عادات تقاليد الضيعة وهو يذكر بأن الاغتراب هو بترول لبنان حيث انه يضخ حوالي 9 مليارات دولار سنويا من عائدات, كما يذكر أن بالرغم من اغترابه فان علاقته جيدة جداً مع اهل ضيعته متمسكا بالقيم التي تعلمها منها فالانسان حسب تعبيره يكبر بأعماله واخلاقه وليس بماله. كما قام بشكر موقع صوت الفرح على هذه المبادرة الكريمة بحق بلدة بدياس.

كما التقينا بأخيه السيد حسين قعفراني الذي اغترب عن وطنه في بداية القبضة الحديدية وقد كان حينها في المرحلة الابتدائية وغير مهتم بالعلم فسافر نحو ساحل العاج ولكنه على تواصل وزيارة دائمة لبلده ولاهله فالانسان برأيه يعود في النهاية الى جذوره ومسقط رأسه ولو أن بلده تحتوي على احتياجات الفرد لما سافر نحو الخارج كما نوه على اهمية الاغتراب في اغناء اقتصاد لبنان عامة والجنوب خاصة.

ومن أهم القصص التي تناولها اهالي بدياس هي قصة الشهيد الحي وهو عبد العزيز خليل, فقمنا بزيارته وأخبرنا عن قصته, حين تواجد في منطقة الزرارية حيث قامت اسرائيل بحصار حول المنطقة وكان وأصدقائه في المقاومة والذين استشهدوا حينها بينما قامت اسرائيل باعتقاله وانتشر الخبر بأنه توفي وقاموا اهله بمجلس عزاء ولكن قلب والدته حينها أحس بأنه لا يزال على قيد الحياة, وحين أفرجت اسرائيل عنه لم يصدق الناس بأنه هو وتحدث عنه الاعلام اللبناني والصحف، وأخبرنا بأن أغنية غابت شمس الحق للفنانة جوليا بطرس، قام بشراء شريط لها اثناء فترة المقاومة وقام بإعارتها للأصدقاء.

كما وهناك العديد من القصص المشرفة الأخرى التي رواها لنا الحاج حسين قعفراني حيث بدأ بالحديث عن بداية المقاومة وتوسعها من مجموعات صغيرة الى شباب ومجتمع مقاوم عبر التعبئة النفسية ضد العدو الاسرائيلي وتفاعل الاهالي معهم وقوة الشباب على صنع الاسلحة كالشهيد محمد سعد كما كانوا ينظفون الأسلحة من الصدأ وهو ليس بالعمل السهل.

ومن أبرز القصص قصة الشهيد مرشد النحاس الذي كانت عينه على أمن وسلامة وحتى نظافة بلده فقبل 5 دقائق من اغتياله كان ينظف احدى شوارع بدياس ثم دخلت 3 سيارات للجيش الاسرائيلي وطلبوا منه الذهاب معهم لكنه رفض وضرب القائد الاسرائيلي, فقاموا حينها بوضعه في إحدى السيارات نصف جسده بداخل السيارة والنصف الاخر بخارجها وقاموا بسحبه حوالي 100 متر فتجمع أهل المنطقة حينها بينما قام الجيش الاسرائيلي بقتل الشهيد مرشد نحاس بالرصاص.

وعن الشهيد القائد نمر دياب الذي كان الإسرائيليون يبحثون عنه وذلك لأنه كان قوي جداً وقد قاموا بإغتياله أيضاً بقذيفة وقد استشهد معه الشهيد محمد الامين, الشهيد أحمد خليل وكان برفقتهم الشهيد الحي عبد العزيز خليل.

لذلك فتاريخ بدياس كان مشرفا بشبابه ونسائه أيضا, فالجميع يتداول حتى الان قصة السيدة نسيمة قعفراني التي ضربت العدو الاسرائيلي بانها كتضحية للمقاومة وشرف الدفاع عن بدياس. وقصة الحاجة ام سلمان دياب أخت الشهيد نمر دياب التي تحدث عنها الاعلام الياباني حيث نامت امام الدبابة الاسرائيلية فقامت الدبابة بتغيير اتجاهها مما منع اقتحام بدياس وحماية اهلها ومن فيها.

الحاج عباس قعفراني يؤكد على صمود بدياس وعلى النخبة الطيبة الموجودة فبالفعل بدياس خرج منها ابطال يفتخر الانسان بذكرهم وهي ستبقى على هذا خط المقاومة دائما.

ومن الناحية التربوية لبلدة بدياس قمنا بمقابلة مدير ثانوية الشهيد محمد سعد الحاج محمد العبد وهو المسؤول التنظيمي لحركة أمل في بدياس الذي أخبرنا عن الناحية التربوية للمنطقة فبدياس بدأت في القدم بمدرسة رسمية صغيرة وهي عبارة عن غرفتين صغيرتين ومدرسة خاصة انشأها سعد الله خليل كفرع من مدرسة الجعفرية ولكنها لم تستمر الا لسنوات قليلة.و بعد ذلك قام مجلس الجنوب باعمار مدرسة جديدة وهي من مرحلة الروضات حتى الصف السابع فقط.ومن ثم ينتقلون الى ثانوية العباسية الرسمية. أغلب طلاب بدياس اليوم متواجدين في مدارس خاصة بالرغم من غلاء قسط الدراسة ولكن المستوى التعليمي المتدني في المدارس الرسمية يفرض عليهم أن يتعلموا بمدارس خاصة. واليوم تطورت بدياس تربويا وقامت بتخريج مهندسين واطباء ومدراء مدارس في العشر سنوات الاخيرة.

ولبطولتهم لهفة من ناحيتنا, لمعرفة تفاصيل تتعلق بهم وبأرواحهم الابية, هم شهداء بدياس بعظمتهم, دخلنا الى بيوتهم وتحدثنا مع زوجاتهم، السيدة نسيمة قعفراني زوجة الشهيد مرشد النحاس التي لا يزال استشهاده شعلة نار لا تنطفي من داخلها وهي قامت بتسمية ابنها مرشد تيمنا باسم زوجها الشهيد التي ربت اولاده على ذكر بطولات والدهم وحبهم للمقاومة والتضحية من أجل الوطن.

أما زوجة الشهيد داوود داوود التي عايشت زوجها الشهيد بمشاكله وكافة اموره, ومن ابرز القصص التي تذكرها قصة العملاء ومنهم العميل حسين عبد النبي الذين قاموا بأحد الليالي بمحاولة لفتح المنزل بالمفاتيح وهو ليس بالموقف السهل.

والشهيد داوود داوود كان ذو اخلاق عالية ومقاوم ومحب لفعل الخير حيث كان وقته لاهل بلدته اكثر من وقته في المنزل مع اولاده ولكنه كان كأي أب محباً ومراعياً لاولاده.

تضيف، أنه بعد التحرير في العام 1985 كانت الزيارة الأولى للرئيس بري إلى الجنوب حيث بات في منزلنا ثلاثة أيام، حينها كانت الفرحة تغمر قلوبهم. وتخبرنا بأن كل محتويات المنزل من أثاث ومكتبة لا زالت كما تركها الشهيد بكل تفاصيلها.

وتحتوي بدياس على قاعة أثرية أقيم فيها أمسيات شعرية وقرآنية لصاحبها الحاج عزت خليل رئيس البلدية السابق.

وفي نهاية جولتنا في بدياس التي تميزت بسرّ حب من يزورها للمرة الاولى, رافقنا الحاج حسين غملوش في جولتنا والذي نشكره جزيل الشكر على المجهود الذي قام به, وأكد لنا أن ضيعة بدياس الجنوبية ستظل على خط المقاومة وسيبقى أهلها محبين لبعضهم البعض تسود اجواءهم الالفة ومشاركة الاقراح والمآسي سوياً…

ينموا شبابها على نهج حركة أمل وخط الامام الصدر منذ الطفولة معززين بمبدأ العيش المشترك وإنفتاحهم وتمسكهم بالقضية الفلسطينية التي يعتبرونها قضيتهم الاولى.

ودّعنا بدياس وقلوبنا بقيت هناك, حيث زرع أهلها في أذهاننا أهم ما تمتاز به من معاني الشرف,البطولة والطيبة وتبقى صورة الضيعة التقليدية في عقولنا لتشكل عامل جذب لنا لزيارتها مجددا.

Leave A Reply