كتب الدكتور: عبّاس حيدر
لم يكن الإمام موسى الصدر رجل دينٍ دخل السّياسة، بل كان صاحب مشروعٍ سياسي وفكري انطلق من الإنسان، وانتهى إلى بناء وطنٍ قادر على حماية إنسانه وكرامته. ولهذا، فإنّ قراءة مشروعه اليوم لا ينبغي أن تكون استعادةً لخطابٍ تاريخيّ، ولا تردادًا لعباراتٍ محفوظة، بل محاولة لاكتشاف ما الذي يجعل أفكاره ما زالت قادرة على مخاطبة أزماتنا الراهنة. لقد ترك الإمام الصدر سبع بصمات أساسية يمكن أن تشكّل، إذا أُعيد فهمها وتطويرها، نواة مشروع وطني وعربي متجدد.
أولًا: الإنسان قبل الطائفة
كانت نقطة الانطلاق عند الإمام الصدر هي الإنسان.
لم يتعامل مع الإنسان باعتباره رقمًا في طائفة أو جماعة، بل باعتباره قيمةً وكرامةً وحقًا في الحياة والعدالة والمشاركة. ومن هنا كان رفضه للحرمان والتهميش ليس موقفًا اجتماعيًا فحسب، بل موقفًا سياسيًا؛ لأنّ الوطن الذي يشعر فيه جزء من أبنائه بأنهم خارج دائرة الاهتمام، هو وطن مهدّد في وحدته.
ثانيًا: الوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف
لم يكن الإمام الصدر يبحث عن مجتمعٍ متشابه، بل عن مجتمعٍ قادر على إدارة اختلافاته.
فالعيش المشترك عنده لم يكن مجاملةً بين الطوائف، وإنّما مشروعًا سياسيًّا وأخلاقيًا يقوم على الاعتراف بالآخر وحماية حقّه في الوجود والمشاركة. وهنا تكمن إحدى أكثر أفكاره حداثة: التّعدد ليس مشكلةً تحتاج إلى الإلغاء، بل ثروة تحتاج إلى إدارة حكيمة.
ثالثًا: المقاومة في خدمة الوطن
من أبرز ما ميّز فكر الإمام الصدر أنّه لم يفصل بين مقاومة الاحتلال وبناء الدولة.
فالمقاومة ليست غايةً مستقلة، والقوّة ليست مشروعًا بذاته؛ إنّما قيمتها في قدرتها على حماية الأرض والإنسان والسّيادة. ومن هنا جاءت معادلته الواضحة: شعبٌ وجيشٌ ومقاومة في مواجهة العدوان، ودولةٌ عادلة ومؤسّساتٌ قوية في إدارة الوطن. إنّ القوّة التي لا تحمي الوطن تتحوّل إلى عبء، والدّولة التي لا تملك القدرة على حماية أرضها تتحوّل إلى إطارٍ هشّ.
رابعًا: العدالة الاجتماعية جزء من الأمن الوطني
لم يكن الإمام الصدر ينظر إلى الفقر باعتباره مشكلةً اقتصادية فقط.
كان يرى في الحرمان خطرًا على الاستقرار والوحدة الوطنية. لذلك ارتبط مشروعه بالمناطق المحرومة، وبالجنوب، وبالفلاح والعامل والطالب، وبكل إنسان شعر أنّ الدولة بعيدة عنه. كان يريد دولةً تصل إلى مواطنيها قبل أن تطلب منهم الولاء لها. وهذه الفكرة ما زالت شديدة الحضور اليوم: لا يمكن بناء وطنٍ قويّ فوق مجتمعٍ يشعر قسم منه بأنّه مهمّش أو متروك.
خامسًا: العلم طريق القوة
أدرك الإمام الصدر أنّ المعركة الحقيقية لا تُحسم بالسّلاح وحده.
الأمم التي تمتلك المعرفة تستطيع أن تصنع اقتصادها، وتنتج تقنيتها، وتحمي قرارها، وتفرض حضورها.
ولهذا فإنّ الاستثمار في الإنسان والتعليم والثقافة ليس ترفًا، بل هو أحد أشكال المقاومة الحضارية.
فالأمة التي تستهلك المعرفة التي ينتجها الآخرون ستبقى بحاجةٍ إلى الآخرين مهما امتلكت من موارد.
سادسًا: الاستقلال في القرار
كان الإمام الصدر شديد الحساسية تجاه التبعية.
لم يكن يريد للبنان أن يتحوّل إلى ساحةٍ لصراعات الآخرين، ولا للقرار الوطني أن يكون تابعًا لإرادة خارجية.
وكان يرى أنّ الانفتاح على العالم لا يعني الارتهان له. وهذه معادلة سياسية شديدة الأهمية اليوم:
أن تكون منفتحًا على الجميع، لكن قرارك ملكك. فالعلاقات الدّولية يمكن أن تكون مصدر قوّة عندما تقوم على المصالح المتبادلة، لكنّها تتحوّل إلى تبعيّة عندما يفقد الوطن القدرة على تحديد أولوياته بنفسه.
سابعًا: فلسطين بوصفها قضية عدالة وكرامة
لم تكن فلسطين عند الإمام الصدر قضيةً سياسية عابرة.
كانت قضية إنسانٍ اقتُلع من أرضه، وشعبٍ سُلب حقّه، وعدالةٍ لا يجوز أن تتحوّل إلى مجرّد شعار.
ولهذا ارتبط موقفه من فلسطين بموقفه من الجنوب ومن الإنسان اللبناني نفسه؛ لأنّ العدوان لا يُواجه بالكلمات، كما أنّ السّلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على تجاهل الحقوق. لقد فهم الإمام الصدر مبكرًا أنّ فلسطين ليست بعيدة عن لبنان، وأنّ أمن الجنوب وكرامة الإنسان فيه مرتبطان بمسار الصراع في المنطقة. وهذه القضية هي قضية عربية وإسلاميّة، وليست قضيّة إبن الجنوب أو لبنان فحسب، لذلك دعا إلى وحدة عربية، وقرار عربي موحّد لمناصرة هذه القضية العادلة.
من الفكر إلى المشروع
ربما تكون المشكلة اليوم أنّنا نتحدث كثيرًا عن الإمام الصدر، لكنّنا لا نختلف بما يكفي حول كيفيّة تحويل أفكاره إلى مشروع. فاستعادة الإمام الصدر لا تكون بتعليق صوره، ولا بإحياء ذكراه في المناسبات، ولا بتكرار كلماته. استعادته تكون عندما يصبح الإنسان أولوية، والعدالة سياسة، والحوار ثقافة، والمقاومة في خدمة الوطن، والدولة حاضنةً للجميع، والعلم مشروع قوة، والاستقلال قرارًا.
الإمام الصدر… سؤال المستقبل…!
ترك الإمام موسى الصّدر لنا مشروعًا، والسّؤال اليوم: هل نملك شجاعة استكماله؟

