وسط ٥٩ مداخلة نيابية في جلسة كان يفترض أن تكون بحجم اللحظة التي يعيشها لبنان، لفتت مداخلة النائب حليمة قعقور إلى شيء بات نادراً في خطابنا السياسي، وهي القدرة على اتخاذ موقف سيادي من دون الوقوع في أسر الاصطفاف.
لم تدافع قعقور عن سلاح خارج الدولة، بل كانت واضحة في حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة. ولم تقبل، في المقابل، أن تتحول هذه السيادة إلى مفهوم انتقائي يُطالب به في مواجهة طرف لبناني ويُغضّ النظر عنه عندما يتعلق الأمر بالاحتلال أو بالضغط الخارجي أو بحقوق أهل الجنوب. رفضت أن تفاوض إيران باسم لبنان، لكنها رفضت أيضاً أن تُدار المفاوضات مع إسرائيل بطريقة تنتقص، في نظرها، من حقوق لبنان ومن حق المتضررين في العدالة والتعويض.
قوة مداخلتها لم تكن في رفع الصوت، بل في أنها حاولت جمع ما فرّقته الاصطفافات ، تبدأ حول الدولة والسيادة ثم حصرية السلاح، فحماية الجنوب، وتنتهي بالعدالة واستقلال القرار اللبناني ورفض ازدواجية المعايير. وعندما قالت، إن التضامن مع المواطن الشيعي حين يتعرض للاعتداء لا يتناقض مع المطالبة بحصرية السلاح، كانت تفصل بين اللبناني وحقه في الحماية وبين الخلاف السياسي مع الحزب الذي يدّعي تمثيله.
في مجلس انقسمت فيه المواقف مراراً بين من يحمّل حزب الله كامل المسؤولية ومن يضع كل المسؤولية على الحكومة وخصوم الحزب، اختارت قعقور أن تنتقد الاتجاهين من منطلق واحد: أين مصلحة لبنان وأين سلطة الدولة؟ وهذا تحديداً ما أعطى مداخلتها تماسكاً؛ فهي لم تُعفِ حزب الله من مسؤولية السلاح، ولم تمنح الحكومة حصانة من المساءلة في التفاوض، ولم تعتبر الجنوب تفصيلاً في الصراع السياسي.
قد يختلف المرء معها في بعض استنتاجاتها أو في قراءتها لبعض الأمور لكن قيمة مداخلتها كانت في أنها أعادت النقاش إلى جوهره وهي أن السيادة لا تكون انتقائية، والدولة لا تكون دولة على فريق ودولةً غائبة أمام فريق آخر، واللبناني في الجنوب لا يفقد حقه في الحماية والعدالة بسبب الخلاف حول حزب الله.
كانت تلك مداخلة لنائب يحاول أن ينظر إلى لبنان من خارج المتاريس السياسية والطائفية ،نائب يؤكد بأن لا إيران تقرر عنه، ولا إسرائيل تفرض عليه، ولا سلاح يتقدم على الدولة، ولا دولة تتخلى عن مواطنيها. وهذا، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها، هو النوع من النقاش البرلماني الذي يضع لبنان أولاً.

