النزول عن الشجرة: الانقسامات الأمريكية والنفس الإيراني الطويل يفرضان واقعية تفاوضية جديدة.
بقلم/ المحامي سميح بركات
لم تكن الاستقالة المفاجئة لمديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية، تولسي جابارد، وما رافقها من كسر للبروتوكول التقليدي عبر ترك كتاب استقالتها على مكتبها ومغادرة الإدارة، مجرد حدث إداري عابر أو استجابة لظرف عائلي قاهر كما رُوّج له رسميًا، بل إن هذا التطور الدراماتيكي يمثل “الترمومتر” الأكثر دقة لقياس حجم الشرخ البنيوي والانقسام العارم داخل أروقة صناعة القرار في واشنطن حول الخيارات الاستراتيجية في مواجهة إيران.
وتأتي مغادرة جابارد لتكمل مشهداً بدأ يتشكل منذ آذار الماضي عقب استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، جو كينت، احتجاجاً على مسار التصعيد العسكري، حيث تؤكد المعطيات المسربة أن جابارد وجدت نفسها في صدام مباشر مع اندفاعة الرئيس دونالد ترامب وفريق “الصقور التقليديين” المتأثرين باليمين الإسرائيلي المتطرف، خاصة بعد أن رفعت الاستخبارات الأمريكية تقارير مهنية جازمة تفيد بأن طهران لا تبني سلاحاً نووياً، وأن خيار ضربها يمثل خطأً استراتيجياً كارثياً سيعزز من انخراط روسيا والصين في مواجهة غير مباشرة مع الولايات المتحدة ويهدد حلفاءها ومصالحها الحيوية في المنطقة.
هذا التناقض الصارخ بين التقدير الأمني المهني والرغبة السياسية الأيديولوجية لترامب عجّل بالانفجار الداخلي ليضع الإدارة الأمريكية أمام مأزق حقيقي يتعلق بديكتاتورية اتخاذ القرار السياسي وتجاهل تحذيرات مجتمع الاستخبارات، لا سيما وأنه على مدار نحو ثلاثة أشهر من المواجهة العسكرية المباشرة والقصف المتبادل الذي انطلق في شباط الماضي، تيقنت واشنطن أن حسابات الحقل لم تطابق حصاد البيدر، بعد أن اصطدمت الإستراتيجية الأمريكية القائمة على مبدأ “الصدمة والترويع” بعقيدة “النفس الطويل” التي تدير بها طهران معاركها.
لقد نجحت إيران في تحويل المواجهة إلى حرب استنزاف كبدت المنظومة العسكرية الأمريكية خسائر استراتيجية غير مسبوقة، حيث بدأت تقارير البنتاغون تكشف عن شح حاد في مخزونات الصواريخ الذكية، مثل صواريخ “تومـاهوك” التي تأجل تسليمها للحلفاء في آسيا كاليابان بسبب استهلاكها المكثف في الجبهة الإيرانية، مما جعل الجبهة الداخلية والخارجية لأمريكا غير قادرين على تحمل كلفة حرب مفتوحة لا أفق لها، مهددة لأمن الطاقة العالمي في مضيق هرمز.
في ظل هذا المشهد المعقد، تعكس التصريحات الأخيرة لترامب حول وجود “اتفاق تم التفاوض عليه وبانتظار الصياغة النهائية” بداية مسار تراجعي صريح يمثل رضوخاً لواقعية سياسية جبرية فرضها الميدان وتوازنات القوى وليس مجرد مناورة كلاسيكية أو “فخ”، وتلعب الوساطة الإقليمية الكثيفة من قِبل دول الخليج، كالسعودية وقطر والإمارات، دوراً محورياً ككوابح للتصعيد، حيث وجد ترامب في هذه الوساطة مخرجاً دبلوماسياً يحفظ ماء وجهه بادعاء التراجع نزولاً عند رغبة الحلفاء، بينما الحقيقة تكمن في عدم قدرته على مواصلة الحرب الحالية. وبينما تفاوض إيران من موقع الصامد الذي يربط أي تهدئة شاملة بوقف إطلاق النار على كافة الجبهات، بما يشمل الجبهة اللبنانية، دون تقديم تنازلات جوهرية في ملفها النووي، يبدو أن الخاسر الأكبر من هذا التخبط هو مفهوم الهيمنة الأحادية الأمريكية، فالسياسات المتهورة منحت فرصة ذهبية لروسيا والصين للتقدم كأطراف دولية عاقلة وضامنة للاستقرار وتحقيق مكاسب جيوسياسية وموثوقية أعلى، ليثبت المشهد في النهاية أن الانقسام الداخلي الأمريكي والنفس الإيراني الطويل قد أجبرا واشنطن على “النزول عن الشجرة” وصياغة صفقة واقعية أعاد فيها الميدان ترتيب أوراق النظام الدولي بما لا تشتهيه سفن البيت الأبيض.

