بين فشل إسلام أباد وطبول الحصار… الشرق الأوسط على حافة “تفاهم بالنار”

بين فشل إسلام أباد وطبول الحصار… الشرق الأوسط على حافة “تفاهم بالنار”

– د.محمد عاصي

لم يكن الإعلان عن فشل المفاوضات الأميركية – الإيرانية في إسلام أباد حدثًا عابرًا يمكن إدراجه في خانة التعثر الدبلوماسي التقليدي، بل هو مؤشر خطير على دخول الصراع مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تتراجع السياسة خطوة إلى الخلف، ليتقدم الميدان خطوة إلى الأمام.

ما جرى لا يعكس فقط خلافًا تقنيًا حول نسب التخصيب أو آليات الرقابة، بل يكشف عن صدام عميق بين رؤيتين متناقضتين:

رؤية أميركية يقودها تسعى إلى فرض اتفاق بشروط نهائية مغلقة، يُسوَّق داخليًا كإنجاز حاسم،

ورؤية إيرانية يقودها ترى أن أي تنازل في الملف

النووي، تحت الضغط، هو بداية مسار تقويض النظام نفسه.

في هذا السياق، لا يبدو الفشل مفاجئًا، بل يكاد يكون نتيجة طبيعية لمسار تفاوضي بُني منذ البداية على قاعدة “خذ أو اترك”، وهي قاعدة لا تصمد أمام دولة تعتبر نفسها في موقع صمود استراتيجي لا في موقع هزيمة.

لكن الأخطر من الفشل نفسه، هو ما تلاه مباشرة.

إذ أعلنت نيتها تنفيذ حصار على موانئ إيران، ابتداءً من 13 نيسان، في خطوة تمثل تحوّلًا نوعيًا من الضغط السياسي والاقتصادي إلى إجراء عسكري – بحري مباشر، في وقتٍ كشفت فيه صحيفة “وول ستريت جورنال” أن “دونالد ترامب يدرس توجيه ضربات محدودة لإيران بعد انهيار المحادثات”.

هذا التطور لا يمكن قراءته كإجراء تقني محدود، بل يحمل في طياته مجموعة من الدلالات الخطيرة:

أولًا، الحصار البحري في القانون الدولي يُعدّ عملًا حربيًا شبه صريح، حتى لو لم يُعلن كحرب رسمية، لأنه يستهدف شريان الدولة الاقتصادي ويقيد سيادتها على موانئها.

ثانيًا، يعني ذلك أن واشنطن انتقلت من سياسة “العقوبات” الاقتصادية الصادرة عن مجلس الامن او تلك الاحادية الجانب إلى سياسة “المنع القسري”، أي فرض واقع بالقوة على الأرض، وهو ما يضع إيران أمام خيارين كلاهما صعب:

إما القبول بالأمر الواقع، أو الرد بما يعيد التوازن.

ثالثًا، هذا القرار يفتح الباب مباشرة أمام سيناريو الرد الإيراني في الخليج، حيث يصبح التلويح – أو حتى التحرك – نحو إغلاق خيارًا مطروحًا، ليس بالضرورة كقرار كامل، بل كسلسلة خطوات تصعيدية تدريجية تهدد الملاحة وترفع كلفة الحصار.

وهنا تكمن الخطورة الكبرى:

لأن أي احتكاك عسكري في تلك المنطقة لن يبقى محصورًا بين طرفين، بل سيتحول سريعًا إلى أزمة دولية، تمس إمدادات الطاقة العالمية، وتضع قوى كبرى أمام اختبار مصالحها الحيوية.

في ضوء هذا التطور، يتأكد أن المرحلة المقبلة لن تكون عودة سريعة إلى طاولة التفاوض، ولا انفجارًا شاملًا للحرب، بل مزيجًا أكثر تعقيدًا وخطورة: تصعيد محسوب، عمليات نوعية، وضربات دقيقة، ضمن ما يمكن تسميته بـ”حرب الاستنزاف الذكية”.

هذا النمط من الصراع يحقق لكل الأطراف جزءًا من أهدافه دون أن يدفع كلفة الحرب الكبرى.

يظهر بمظهر الحازم دون التورط في مستنقع مكلف،

و يمدد عمر معركته المفتوحة دون الحاجة إلى حسم خطير،

أما إيران، فتستثمر في الوقت، وتراكم عناصر القوة، وتثبت أنها قادرة على الرد دون الانجرار إلى مواجهة شاملة… ولكن هذه المرة تحت ضغط حصار مباشر.

أما على المستوى الإقليمي، فإن أخطر انعكاسات هذا التصعيد ستظهر في الساحات الهشة، وفي مقدمتها لبنان.

هنا، لا يعود السؤال: هل سيتأثر لبنان؟ بل: إلى أي مدى سيكون ساحة هذا الاشتباك؟

فـالاسرائيلي سيجد في الحصار، كما في فشل المفاوضات، دليلًا إضافيًا لتبرير مقاربته القائمة على أن القوة وحدها قادرة على تغيير المعادلات، ما يعني زيادة الضغوط العسكرية والسياسية على الجبهة اللبنانية.

في المقابل، ستتعامل إيران مع لبنان كجزء من منظومة الردع الإقليمي، ما يبقيه ضمن معادلة “الضغط المتبادل” لا خارجها.

هكذا، يصبح لبنان مرة جديدة في قلب العاصفة، لا بقراره، بل بحكم موقعه في شبكة صراعات تتجاوز حدوده.

ومع ذلك، فإن هذا التصعيد – بما فيه الحصار – قد لا يكون نهاية المسار، بل جزءًا من تكتيك تفاوضي أكثر قسوة. فالتاريخ الحديث للعلاقات الأميركية – الإيرانية يُظهر أن كثيرًا من الاتفاقات الكبرى وُلدت بعد مراحل من الضغط الأقصى، حيث يُعاد تشكيل موازين القوى ميدانيًا قبل تثبيتها سياسيًا.

لكن الفارق اليوم أن أدوات الضغط لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت عسكرية مباشرة، ما يرفع احتمالات الخطأ وسوء التقدير إلى مستويات غير مسبوقة.

الخلاصة الصادمة لم تعد في أن الحرب قد تقع، بل في أن ملامحها بدأت بالفعل… دون أن يُعلن أحدٌ رسميًا أنها بدأت.

وفي لحظة معينة، قد لا يكون القرار ببدء الحرب بيد أحد.

Leave A Reply