حين ينقلب الوهم إلى مأزق: حرب الشرق الأوسط بين غرور القوة وصمود الاستنزاف – د.محمد عاصي

لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية تقليدية أو جولة جديدة من التصعيد، بل تحوّلت إلى اختبار قاسٍ للرهانات الكبرى التي بُنيت على أوهام الحسم السريع. ما كان يُفترض أن يكون ضربة قاضية تُسقط الخصم من الداخل، يتحول تدريجياً إلى مأزق مفتوح، حيث تتآكل الفرضيات الأولى أمام واقع ميداني أكثر تعقيداً وصلابة. المفاجآت التي عُوّل عليها لم تغيّر قواعد اللعبة، بل كشفت حدود القوة حين تصطدم بمجتمعات ترى في المعركة قضية وجود لا مجرد نزاع سياسي.

في المقابل، يبرز مشهد داخلي إسرائيلي معقد، لكنه ليس كما يحلو للبعض تصويره. المجتمع الإسرائيلي لم يكن مختطفاً بالكامل من قبل تيار سياسي بعينه، بل أظهرت المؤشرات أن تصاعد العنف في العمليات العسكرية كان يرفع من شعبية القيادة السياسية. غير أن هذا التصعيد لم يقتصر على البعد الميداني، بل ترافق مع سلسلة واسعة من الانتهاكات الصارخة لمبادئ القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك قواعد التمييز والتناسب وحماية المدنيين. كما طالت هذه الممارسات روح ونص اتفاقيات جنيف الأربع ومرتكزات ميثاق الأمم المتحدة، في ظل اعتماد متزايد على القوة الغاشمة كأداة أساسية لإدارة الصراع.

غير أن فهم هذا السلوك لا يكتمل دون التوقف عند البعد الفلسفي للحرب.

إن “الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى”، ما يعني أن ما نشهده ليس انفلاتاً من السياسة، بل تعبيراً متطرفاً عنها. وفي المقابل، يحذر توماس هوبز من أن غياب الضوابط يحوّل الصراع إلى حالة “حرب الجميع ضد الجميع”، حيث تسقط القواعد ويصبح البقاء هو المعيار الوحيد. بين هذين المنظورين، تتحرك إسرائيل في مساحة رمادية: سياسة تُدار بالقوة، وقوة تتجاوز أحياناً حدود السياسة نفسها.

ضمن هذا السياق، تشكّلت لدى صانع القرار الإسرائيلي قناعة بأن اللحظة الراهنة تمثل فرصة تاريخية نادرة. فرصة لتكريس تفوق استراتيجي طويل الأمد، وربما لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة بشكل جذري. هذا التصور، المدعوم بغطاء أميركي واسع، دفع نحو سياسات أكثر جرأة، بل وأكثر اندفاعاً، على قاعدة أن الكلفة مهما ارتفعت تبقى أقل من كلفة تفويت الفرصة.

لكن الميدان، كما في كثير من الحروب، لا يسير وفق التصورات المسبقة. المؤشرات الحالية توحي بأن إيران، رغم الضربات القاسية التي تلقتها، لا تزال قادرة على الصمود، بل وتسجيل نقاط استراتيجية في معركة طويلة النفس. وهنا يمكن استحضار رؤية نيكولو مكيافيلي الذي رأى أن بقاء الدولة يتقدم على كل اعتبار، وأن القسوة قد تُستخدم كأداة للحفاظ على الكيان. غير أن هذه القسوة، كما تشير حنة آرندت، قد تتحول إلى “عنف أعمى” حين تفقد بعدها السياسي، فتقوّض أهدافها بدل أن تحققها.

هنا تحديداً، يتغير تعريف الحرب. لم تعد معركة لإسقاط نظام سياسي، بل تحوّلت في الوعي الجمعي الإيراني إلى معركة دفاع عن الدولة نفسها. هذا التحول يعكس ما يسميه بندكت أندرسون “الجماعات المتخيّلة”، حيث تتماسك الشعوب حول فكرة الأمة في مواجهة الخطر الخارجي، فتتراجع الانقسامات الداخلية لصالح هوية جامعة.

من جهة أخرى، يبدو أن الصراع يتجه تدريجياً نحو نمط “حرب الاستنزاف”، حيث لا يكون الحسم السريع ممكناً، بل تصبح القدرة على التحمل وإدارة الوقت العامل الحاسم. وفي هذا السياق، يمكن استحضار طرح صن تزو الذي اعتبر أن “أفضل الانتصارات هي تلك التي تتحقق دون قتال طويل”، في إشارة إلى أن إطالة أمد الحرب قد تكون بحد ذاتها فخاً استراتيجياً للطرف الأكثر اندفاعاً.

أما على المستوى الدولي، فيبرز موقف روسيا بصيغة أكثر حدّة ووضوحاً من السابق، متجاوزاً الإطار الدبلوماسي التقليدي إلى ما يشبه التحذير الاستراتيجي المباشر. فموسكو لا تكتفي برفض توسيع الحرب، بل ترسل إشارات مدروسة بأن إيران تمتلك قدرات صاروخية متقدمة، بعضها لم يُستخدم بعد، وأن هذه القدرات لا تخضع بالكامل لسيطرة أو فهم الخصوم، بما في ذلك الولايات المتحدة. في هذا السياق، لا تبدو الرسالة الروسية مجرد توصيف للواقع العسكري، بل محاولة لفرض “خط أحمر” جديد في معادلة الردع: التوقف الآن قبل الانزلاق إلى مرحلة غير محسوبة.

هذه اللغة التصعيدية تحمل في طياتها بعداً نفسياً واستراتيجياً، موجهاً بشكل غير مباشر إلى دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب، بما في ذلك شخصيات مثل دونالد ترامب. الهدف لا يقتصر على الردع العسكري، بل يتجاوزه إلى زرع الشك والخوف في الحسابات العملياتية، ودفع الخصم إلى إعادة تقييم كلفة التصعيد. فكما يشير ريمون آرون، فإن توازن الرعب لا يقوم فقط على امتلاك القوة، بل على إدراك الخصم لحدود استخدامها.

في المقابل، تتعامل الصين مع المشهد من زاوية أكثر براغماتية، حيث تركز على ضرورة احتواء التصعيد والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، لما لذلك من تأثير مباشر على أمن الطاقة ومصالحها الاقتصادية العالمية. هذا الموقف ينسجم مع تقاليد فكرية صينية عميقة ترى في الاستقرار شرطاً للقوة، لا نتيجة لها فقط.

أما على المستوى الإقليمي، فإن اتساع رقعة المواجهة يطرح تساؤلات جدية حول جدوى هذا المسار. دخول الولايات المتحدة في صراع مفتوح مع إيران لا يبدو أنه يخدم مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى، بقدر ما يضعها في مواجهة مكلفة وغير مضمونة النتائج. كذلك، فإن دول الخليج تجد نفسها في موقع حرج، بين الخشية من تداعيات التصعيد، والرغبة في تجنب الانخراط المباشر في حرب قد تطال استقرارها الداخلي.

في المحصلة، تبدو الصورة أبعد ما تكون عن “نصر سريع” أو “حسم نهائي”. ما نشهده هو انزلاق تدريجي نحو صراع مفتوح، تتآكل فيه المكاسب وتتعاظم فيه الكلفة على جميع الأطراف. وإذا كان هناك من اعتقد أن هذه الحرب ستفتح له باب المجد الاستراتيجي، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن الباب قد يتحول إلى فخ، وأن الرهان على القوة المطلقة قد ينقلب إلى عبء ثقيل.

هكذا، تتحول الحرب من أداة لتحقيق الأهداف إلى عامل يعيد صياغة المعادلة بأكملها. وبين غرور القوة وصمود الاستنزاف، يبقى السؤال مفتوحاً: من يملك فعلاً القدرة على تحمّل النهاية؟

Leave A Reply