هل بدأت مرحلة نزول ترامب عن شجرة الحرب ضد إيران ؟؟!!
كتب غسان همداني
حساب الحقل وحساب البيدر هو مثل شعبي شهير يُضرب للتعبير عن التناقض بين التوقعات النظرية (الحقل) والنتائج الفعلية (البيدر). يشير إلى أن الخطط والآمال المسبقة غالباً ما تصطدم بواقع مختلف عند التنفيذ، مما يفرض ضرورة التعامل مع النتائج النهائية لا التوقعات، حيث يخضع البيدر للحقل في النهاية.
يبدو أن حساب حقل أميركا والكيان الإسرائيلي لم ينطبق على حساب البيدر الإيراني، ففي الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ودولة العدو الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية في إيران في خضم مفاوضات بين اميركا وإيران، والتي كانت إيجابية وواعدة وفق تصريح وزير الخارجية العُمانية، جاءت بناءً على تقديرات المخابرات الإسرائيلية عن هشاشة النظام في إيران، وأن إيران ضعيفة و”نمر من ورق” وأنها ستنهار بسرعة كبيرة تحت وطأة الضربات التي ستوجهها أميركا والعدو الإسرائيلي لها، خاصة إذا تم اغتيال المرشد الأعلى، بالإضافة الى جهوزية المعارضة الإيرانية في الداخل للإطاحة بالنظام القائم في إيران.
وفق مجريات الحرب تبين أن ما سبق لم يكن معلومات أو معطيات دقيقة وإنما أوهام لدى العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة الأميركية، أو ربما أوهام نجح العدو الإسرائيلي في زرعها في عقل ترامب ودفعه لخوض هذه الحرب، يضاف إلى دوافع خاصة لدى ترامب في السيطرة على منابع النفط في إيران ما يجعله حاكماً مطلقاً للعالم، إلا أن هذه الأوهام والاحلام سقطت أمام صمود الجمهورية الإسلامية، لا بل قدرتها على امتصاص الضربة الأولى، وقدرة النظام على الاستمرار بعد اغتيال المرشد الأعلى، وملء أي فراغ في موقع القيادة بسرعة ودون أي انعكاس على سير المعركة في وجه الاعتداء عليها، والانتقال من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، وقصف القواعد العسكرية الأميركية في دول الخليج والحاق الضرر الكبير بها خاصة الرادارات التي أصابت أميركا والكيان الصهيوني بالعمى، ما ساعد على قصف المدن في الكيان الصهيوني بشكل كثيف ودقيق وتجاوز كل وسائل الاعتراض، وأدى إلى إصابة الكيان بالصدمة والذعر، وبدأت صرخات الوجع ترتفع من المواطنين مطالبة بوقف الحرب فوراً، خاصة بعد قصف ديمونا وعراد والدمار الهائل الذي لحق بهما، يضاف إلى ذلك اسقاط الطائرات والمسيرات الأميركية والإسرائيلية ، كذلك استنزاف المخزون العسكري لدى أميركا وإسرائيل، وطلب ترامب مبلغ 200 مليار دولار لشراء أسلحة، وسحب السلاح من القواعد الأميركية سواء في كوريا الجنوبية أو تايوان وغيرهما وما لذلك من انعكاس على هاتين الدولتين تحديداً.
لم يدخل في حساب حقل ترامب ونتنياهو قدرة إيران على إقفال مضيق هرمز، وهو ما أصاب ترامب بخيبة أمل كبيرة، خاصة وأنه ما يزال يعيش نشوة النصر في فنزويلا، يضاف إلى ذلك ارتفاع سعر برميل النفط ليلامس 110 $، وانعكاس ذلك بالكارثة على الاقتصاد الأميركي والعالمي، ورفض دول الناتو وغيرها من الدول الانخراط في معركة فتح المضيق، ما دفع بترامب إلى رفع العقوبات عن تصدير النفط الروسي والإيراني في محاولة منه إلى خفض سعر البرميل ما دون ال100$، الذي أدى إلى انتعاش الاقتصاد الروسي والإيراني مع دخول ملايين الدولارات إلى خزينتيهما، ما حدا بترامب بتوجيه انذار لإيران بفتح المضيق خلال يومين أو فتحه بالقوة، مع معرفته باستحالة هذا الأمر لعدة أسباب منها أن العسكريين الأميركيين يخافون من تكرار فخ “جاليبولي” وهو غزو انجلترا لإسطنبول في الحرب العالمية الأولى في محاولة للسيطرة على “مضيق البوسفور” وانهزامها فيه بحرياً وبرياً وخسائر ضخمة في الارواح والمعدات لأن الجغرافيا تدافع مع صاحب الأرض ولذلك فهو مثال جيد لسيطرة ايران على المضيق حالياً.
أمام هذه المعطيات بالإضافة إلى ضغط دول الخليج على ترامب من أجل إيقاف هذه الحرب نتيجة تداعياتها على الوضع الاقتصادي والأمني فيها، وتحرك كل من تركيا ومصر وعُمان بنفس الاتجاه، يبدو أن الرئيس الأميركي بصدد التوجه لوقف اطلاق النار، مع محاولته الاحتفاظ بماء الوجه والإيحاء بأن إيران هي من طلبت ذلك، ونفي إيران ذلك مع تأكيد استعدادها لوقف الحرب وفق شروط قابلة للتفاوض، والظاهر أن ترامب قرر النزول عن شجرة الحرب ضد إيران ما لم يتراجع في اللحظة الأخيرة ، خاصة وأن مواقفه تتأرجح دائما ، وتتناقض بشكل لافت، بالإضافة إلى موقف رئيس وزراء العدو الرافض لوقف اطلاق النار لدوافع شخصية تبدأ بمصيره السياسي وصولاً إلى السجن بعد انتفاء أسباب تأجيل محاكمته، وهذا ما ستسفر عنه الأيام القادمة.
