الجنوب اللبناني بين صراعات الأمس وتحديات الحاضر: حكاية أرض وهوية وحق في العودة – كتب المحامي علي كوثراني

الجنوب اللبناني بين صراعات الأمس وتحديات الحاضر: حكاية أرض وهوية وحق في العودة

لم يكن الجنوب اللبناني يوماً مجرد مساحة جغرافية على خارطة الوطن، بل شكّل عبر التاريخ ساحةً مفتوحةً للصراعات الإقليمية والدولية، ومسرحاً لتجاذبات سياسية وعسكرية تركت آثارها العميقة على الإنسان والأرض، لا سيما على أبناء الطائفة الشيعية الذين شكّلوا العمود الفقري لهذا النسيج الاجتماعي المkاوم.

منذ بدايات القرن العشرين، ومع رسم الحدود الحديثة للمنطقة عقب انهيار الدولة العثمانية، بدأ الجنوب يدخل في معادلة الصراع مع المشروع الصهيوني الناشئ. ومع قيام دولة إسرائيل عام 1948، تحوّل الجنوب إلى خط تماس مباشر، حيث تعرّض لاعتداءات متكررة، وبدأت موجات النزوح الأولى التي أرخت بثقلها على الواقع الديمغرافي والاقتصادي.

غير أن التحوّل الأبرز جاء مع اجتياح عام 1978، ومن ثم الاجتياح الواسع عام 1982، حيث احتُلّت مساحات واسعة من الجنوب، وأُقيم ما سُمّي بـ”الشريط الحدودي”. في تلك المرحلة، عانى أبناء الجنوب، ولا سيما الطائفة الشيعية، من التهجير القسري، والاعتقالات، والانتهاكات اليومية، في ظل غياب شبه كامل للدولة اللبنانية عن أداء دورها السيادي.

أمام هذا الواقع، نشأت حركات مقاومة محلية، سرعان ما تحوّلت إلى قوة فاعلة في معادلة الصراع، واستطاعت، رغم الإمكانيات المحدودة، أن تفرض معادلة ردع تدريجية. وقد تُوّج هذا المسار بالانسحاب الإسرائيلي في عام 2000، والذي شكّل محطة مفصلية في التاريخ اللبناني الحديث، وأعاد الأمل بإمكانية استعادة الأرض والكرامة.

إلا أن هذا الانتصار لم ينهِ معاناة الجنوب، إذ عاد ليتعرض لعدوان واسع عام 2006، خلّف دماراً هائلاً في البنية التحتية، وأعاد مشاهد النزوح والدمار. ومع ذلك، أثبت أبناء الجنوب مرة أخرى قدرة استثنائية على الصمود وإعادة البناء، في مشهد يعكس عمق الارتباط بالأرض والإرادة الجماعية في البقاء.

أما اليوم، فلا يزال الجنوب يعيش تحت وطأة توترات دائمة، في ظل هشاشة الاستقرار الإقليمي، وتداخل العوامل السياسية والعسكرية. وتبقى الطائفة الشيعية، كجزء لا يتجزأ من هذا النسيج، حاملةً لذاكرة جماعية مثقلة بالتضحيات، ومتمسكة بحقها المشروع في العيش بكرامة على أرضها.

من منظور قانوني، يكرّس الحق في العودة إلى الأرض كأحد الحقوق الأساسية التي لا تسقط بالتقادم، وهو حق ملازم للإنسان، سواء كان نازحاً داخلياً أو مهجّراً قسراً بفعل النزاعات. كما أن الدولة اللبنانية، بموجب دستورها والتزاماتها الدولية، ملزمة بضمان هذا الحق، وتأمين الظروف الملائمة لتحقيقه، من خلال إعادة الإعمار، وتعزيز الأمن، وترسيخ سيادة القانون.

وفي الختام، يبقى الجنوب أكثر من مجرد جبهة؛ إنه ذاكرة وطن، ومرآة معاناة، وقصة صمود لا تنتهي. العودة إلى الجنوب ليست فقط عودة إلى المنازل والقرى، بل هي عودة إلى الجذور، إلى الهوية، إلى الإحساس العميق بالانتماء.

هي عودة إلى الأرض التي لم تغادر أهلها يوماً، حتى حين أُجبروا على مغادرتها.

هي عودة تشبه الوعد… وعد لا يسقط، ولا يُنسى.

المحامي علي كوثراني

Leave A Reply