ما بعد المنهج: ماذا يحتاج طلابنا اليوم فعلًا؟
في ظل ظروف الحرب وما تفرضه من ضغوط نفسية، وعدم استقرار، وتحديات يومية تمس تفاصيل الحياة، لم يعد المنهج الدراسي التقليدي قادرًا على تلبية احتياجات الطلاب الحقيقية. فالتعليم في مثل هذه السياقات لم يعد مجرد عملية نقل معرفة، بل أصبح مساحة للصمود، وإعادة التوازن، وبناء الأمل في واقع مضطرب. من هنا، لم يعد السؤال ماذا نُعلّم فقط، بل ماذا يحتاج طلابنا فعلًا ليتمكنوا من الاستمرار والتكيّف في ظل هذه الظروف القاسية.
تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO) إلى أن التعليم في أوقات النزاعات والحروب يجب أن يتجاوز التركيز على المحتوى الأكاديمي، ليشمل دعم الجوانب النفسية والاجتماعية للمتعلمين. وتؤكد المنظمة أن توفير بيئة تعليمية آمنة، حتى ولو كانت افتراضية أو محدودة الإمكانيات، يُعد عنصرًا أساسيًا في حماية الطلاب من آثار الصدمات النفسية. كما تبرز أهمية دور التعليم في تعزيز الشعور بالاستقرار والانتماء، خاصة عندما يفقد الطلاب الإحساس بالأمان في محيطهم الخارجي.
وفي السياق ذاته، يؤكد تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) حول “مستقبل التعليم والمهارات 2030” أن الأنظمة التعليمية مطالبة اليوم بتطوير كفاءات تتجاوز المعرفة النظرية، لتشمل مهارات مثل المرونة، والتفكير النقدي، والقدرة على اتخاذ القرار في ظروف معقدة. وفي ظل الحرب، تكتسب هذه المهارات أهمية مضاعفة، إذ يحتاج الطالب إلى أدوات تمكّنه من فهم ما يحدث حوله، والتعامل مع الضغوط، والتكيّف مع التغيرات المستمرة.
إن ما يعيشه الطلاب في مثل هذه الظروف يفرض تحولًا عميقًا في دور المعلم، الذي لم يعد ناقلًا للمعرفة فقط، بل أصبح داعمًا نفسيًا، ومرشدًا، وقائدًا إنسانيًا. فالعلاقة التي يبنيها المعلم مع طلابه، وقدرته على خلق مساحة آمنة قائمة على الثقة والاحتواء، تشكل عنصرًا حاسمًا في استمرار عملية التعلم. وفي كثير من الأحيان، يكون حضور المعلم الإنساني هو ما يمنح الطالب القدرة على الاستمرار، أكثر من أي محتوى دراسي.
كما تبرز في هذا السياق أهمية التعلم الاجتماعي العاطفي، الذي يساعد الطلاب على فهم مشاعرهم، والتعامل مع القلق والخوف، وبناء علاقات صحية رغم الظروف الصعبة. فالحرب لا تؤثر فقط على البنية التحتية، بل تترك آثارًا عميقة على الصحة النفسية، مما يجعل من الضروري أن يتضمن التعليم أدوات لدعم التوازن النفسي إلى جانب التحصيل الأكاديمي.
انطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن “ما بعد المنهج” في زمن الحرب لا يعني إلغاء المعرفة، بل إعادة ترتيب الأولويات بشكل يتناسب مع واقع الطلاب. فالتعليم الحقيقي في مثل هذه الظروف هو الذي يحمي، ويدعم، ويمنح معنى، قبل أن يُقيّم ويختبر. إن بناء إنسان قادر على الصمود، والتكيّف، والاستمرار رغم كل التحديات، هو الهدف الأسمى الذي يجب أن تسعى إليه العملية التعليمية اليوم.
ليال غدار
باحثة و مشرفة تربوية
مسؤولة شؤون المرأة -شعبة جويا
