بين طرابلس والجنوب، يجول رئيس الحكومة نواف سلام على ركام الأبنية المدمّرة: في الشمال بفعل الإهمال المزمن، وفي الجنوب نتيجة العدوان الإسرائيلي الوحشي والمستمر. غير أنّ هذه الجولات، على أهميتها الرمزية، لا تزال حتى الآن بلا ترجمة فعلية تخفف عن المواطنين أعباء التشرد، أو تقلل من أخطار تهدد حياتهم يومياً.
قبل خمسة عشر يوماً، زار الرئيس سلام مدينة طرابلس صباحاً، متفقداً مبنى القبة الذي انهار فوق رؤوس عائلة المير، وأدّى إلى استشهاد أليسار ووالدها أحمد.
يومها أكّد أن “طرابلس ليست وحدها”، واعداً بعقد اجتماع فوري مع نواب المدينة وتقديم كل ما تحتاجه، وقد عقد الاجتماع فعلاً ظهر اليوم نفسه، وقدم النواب مطلبا واضحا وطارئا وهو تأمين عشرة ملايين دولار بشكل عاجل لمعالجة ملف الأبنية الآيلة للسقوط وتأمين بدلات إيواء للأهالي، لأن الوقت لا يحتمل التأجيل، ولأن كل يوم تأخير يعني احتمال سقوط مبنى جديد فوق رؤوس ساكنيه.
غادر النواب الاجتماع، ومرّت الأيام من دون تأمين المبلغ المطلوب، إلى أن وقعت الكارثة مجدداً بسقوط مبنى التبانة، في مشهد يشبه مجزرة حقيقية كان يمكن تفاديها، لتعود كرّة
الاستنكارات والمواقف العالية السقف، فيما اكتفى رئيس الحكومة بتصريح عرض فيه التدابير التي إتخذها بعد الكارثة، وجدّد فيه جهوزية الحكومة لتقديم بدلات الإيواء وتأمين الأموال لتدعيم الأبنية المتصدعة، داعياً إلى عدم استغلال المأساة لتحقيق “مكاسب سياسية رخيصة”، واصفاً ذلك بـ”الأمر المعيب”.
لكن ما كان يحتاجه الموقف، وفق كثيرين، لم يكن تحذيراً من الاستثمار السياسي بقدر ما كان يتطلب قراراً سريعاً بتأمين الأموال قبل وقوع المجزرة، لا بعدها، خصوصاً أن الخطر لا يزال قائماً وقد يتكرر في أي لحظة.
في المقابل، أمضى رئيس الحكومة يومين في الجنوب، متفقداً الدمار الذي خلّفه العدوان الإسرائيلي في القرى والبلدات، وذلك بعد عام كامل على زيارته الأولى التي أطلق خلالها سلسلة من الوعود.
الزيارة، وإن كانت مهمة من حيث الشكل، وأعادت التأكيد على حضور الدولة في الجنوب، وجاءت وسط حفاوة من النواب والأهالي الذين شددوا على تمسكهم بالدولة وتحت سقفها، إلا أنها حملت معها المزيد من الوعود في ظل واقع ميداني بالغ التعقيد.
فالاحتلال الإسرائيلي لا يزال قائماً، والاعتداءات اليومية لم تتوقف، وأي حركة إعمار أو ترميم تبقى عرضة للاستهداف الصهيوني، حتى آليات البناء لم تسلم من القصف، وكان يُفترض برئيس الحكومة، بعد عام كامل على الزيارة الأولى، أن يعود لافتتاح مشاريع أو على الأقل للإعلان عن استكمالها، أو لتحديد مواعيد واضحة لعودة كريمة لأبناء الأرض إلى قراهم. لكن الزيارة تركت خلفها سلسلة من الأسئلة الثقيلة التي لا يملك أبناء الجنوب أجوبة عنها، لجهة: متى تنسحب إسرائيل من الأراضي اللبنانية؟ متى تتوقف الاعتداءات الممنهجة؟ ماذا حققت الدبلوماسية الحكومية خلال عام كامل؟ متى تبدأ عملية الإعمار، وإن بدأت، هل ستُترك وشأنها أم يقصفها العدو؟ متى العودة الفعلية إلى القرى؟ ومتى يستطيع المزارع الجنوبي أن يعود إلى أرضه التي أُتلفت بالمبيدات الكيميائية التي نشرها العدو مؤخرا؟.
كل هذه الأسئلة، وغيرها كثير، كان يفترض برئيس الحكومة أن يجيب عن بعضها على الأقل، لتحمل زيارته معنى “زيارة دولة” إلى جنوب كان، ولا يزال، بعيداً عن السياسات التنفيذية الفعلية.
لم يعد لبنان يحتاج إلى شعارات ولا إلى مواقف شعبوية عالية النبرة، بل إلى قرارات واضحة وقابلة للتنفيذ السريع، من طرابلس المنكوبة بالإهمال إلى البلدات الحدودية المثقلة بالعدوان.
وبين شمال متروك للانهيار، وجنوب معلّق على انتظار المجهول، يدفع اللبنانيون الثمن الأغلى، وهو حياتهم.
غسان ريفي – سفير الشمال

