د. أنطوان يزبك
يتذكّر العالم اليوم الكاتبة البوليسية أغَاثا كريستي في الذكرى الخمسين لوفاتها ، تلك التي ضريت الرقم القياسي في عدد كتبها المباعة خلال قرن وقد وصل عددها إلى 4 مليار و ربما أكثر مترجمة إلى معظم لغات البشر .
هنيئا لها شهرتها ولكن ثمة ما يلفتني أكثر لدى أغاثا كريستي ؛ عمق تجربتها و فكرها الناقد العارف ، ففي واحد من أقوالها الذي ينفذ إلى عمق أعماق الطبيعة الإنسانية وخصوصيتها تقول :
” قليلون منّا مظهرهم يتطابق مع حقيقتهم ” .
هذا القول مهمّ للغاية من حيث أنّه يعرّي النفس البشريّة كما يجعلنا نشعر بمرارة كبرى في الوقت عينه ، ذلك أننا ندرك أننا نعيش في عالم كاذب مرصوف بكل ما هو جميل ورائع ليتبيّن لنا أننا بالحقيقة نعيش وسط كذبة كبيرة .
نعيش مع حوقة حقراء وظيفتهم الأساسيّة صناعة رائجة قوامها ( التفنيص ) و الكذب والدجل خاصة أولئك الذين يقبضون على ناصية السياسة العالمية والمحليّة على حدّ سواء ، رجال السياسة الذين يأتمرون بشيطان ساديّ ونحن نربط مصائرنا بكلامهم المعسول و هم في حقيقتهم “باعة كلام ” في السوق العمومية من الدرجة السابعة الأكثر انحطاطا . تجّار دمّ و قتلة و مرتزقة يوهمون الناس أنهم سيجلبون لهم المنّ والسلوى وفي حقيقة الأمر يذيبون السمّ الزّعاف و يسكبونه في قِدر العائلات الفقيرة البسيطة من أجل إبادتها من خلال طعامها اليومي !
هاهو نيرون مثلا ، الذي ادّعى يوما أنّه سيبدّل شعب روما و يجعله شعبا راقيا محبّا للفنون والشعر والمسرح والموسيقى ، و يرتقي به إلى مصاف الآلهة ، انتهى به الأمر إلى إحراق روما و شيّ شعبها كالفراريج وهو ينشد الشعر ويعزف القيثارة .
القائمة تكبر اذا أردنا ذكر أصحاب “النوايا الحسنة ” بين حكام العالم أصحاب شعارات التقدم والحرية والبحبوحة والسلام ليتبيّن لنا بعد ذلك ، أنهم وحوش ضياغم بأنياب مسنّنة هدفها إفناء الشعوب و سفك دمائها !
في مختصر الكلام : تحية إلى الفتاة الغزاويّة الصغيرة التي ، وعلى الرغم من قصف خيمتها التي كانت تأويها و عائلتها ، أخذت تنقّب في التراب لتعثر على الأرغفة المطمورة ، تنكت عنها التراب و تحفظها ، فالخبز نادر وهو الحياة وما ألذّ طعمه وهو مجبول بتراب أرضنا الغالي و دماء الشهداء ، المسيح عليه السلام قام بعجيبة منذ ألفيّ سنة و أكثر الخبز والسمك لإطعام الجموع الجائعة ، فهل من معجزات جديدة في هذا العصر تعيد النور إلى الضمائر المعتمة والذمم المتوفية من قرون ؟
أما حان الوقت ليدرك ظُلّام الأرض أنّهم سيغادرون بدون شيء من هذه الفانية على قول الشاعر إيليا أبي ماضي :
كلّ ذي رغبة دنت أم تسامت
سيمضي يوما بلا رغباته …؟!
نحن في انتظار المعجزات …
