يدخل إعلان وقف إطلاق النار اليوم الخميس عامه الأول، في ظل حرب إسرائيلية مستمرة ومرشحة للتصعيد أو لأن تكون مفتوحة، تهدف الى إخضاع لبنان ودفعه الى مفاوضات مباشرة تحت النار تلغي هذا الاتفاق لمصلحة إتفاق إذعان يقضي بتشريع الاحتلال وإقامة المنطقة العازلة على الحدود الجنوبية وربطها بجنوب سوريا، بدعم واضح من الولايات المتحدة الأميركية التي فقدت صفة الوسيط النزيه وتحولت الى عنصر ضاغط لتحقيق الأهداف الاسرائيلية.
الإتفاق سمح للمقاومة وبيئتها بإلتقاط الأنفاس بعد الخسائر التي لحقت بها خلال الحرب وقبلها لا سيما على صعيد مجزرتيّ البايجر والتوكي ووكي وإغتيال القادة، في حين وعبر خديعة أميركية أعطى إسرائيل ما لم تستطع تحقيقه في الحرب على صعيد التوغل والاحتلال.
لم ينجح إتفاق وقف إطلاق النار في إنتاج الاستقرار المنشود، ففي الوقت الذي إلتزم فيه لبنان بحرفية بنوده، وحافظت المقاومة على إنضباطها بعدم إطلاق أي رصاصة تجاه العدو، واصلت إسرائيل عدوانها بوتيرة متفاوتة شهدت تصعيدا خطيرا مؤخرا لتختتم العام الأول بأكثر من 5500 خرقا برا وجوا وبحرا، وبـ 336 شهيدا، وبأكثر من 950 جريحا.
سعى لبنان الى سحب كل الذرائع من العدو الصهيوني، فأصدرت الحكومة قرار حصرية السلاح، وكلفت الجيش إعداد خطة متكاملة لذلك مع الإنتشار في جنوب الليطاني، وبالفعل بدأت المؤسسة العسكرية تنفيذها بالتنسيق الكامل مع قوات اليونيفل، وهي تقدم تقارير دورية الى الحكومة حيث أنجزت ما يقارب 85% من عملها، وما يزال لديها النقاط المحتلة التي لا تستطيع الدخول إليها أو العمل فيها لأن ذلك إما سيؤدي الى مواجهات مع جيش العدو أو الى تطبيع مقنع معه.
كما قدم لبنان كل الإيجابيات الممكنة التي كرسها رئيس الجمهورية في رسالة الاستقلال لجهة جهوزية الدولة لبسط سلطتها على جنوب الليطاني، وجهوزية الجيش للإنتشار وإستكمال حصر السلاح، وقيام لجنة الميكانيزم بالاشراف التام، ومن ثم التفاوض بعد الانسحاب الاسرائيلي ووقف الاعتداءات، ووضع آلية دولية لدعم الجيش اللبناني، فضلا عن دأب الرئيس عون على التأكيد بإلتزام لبنان بالقرارات الدولية وخصوصا القرار 1701.
كل هذه الإيجابيات ضربتها إسرائيل بعرض الحائط، فلم ترد جوابا حول التفاوض، ولم تتقدم بأي خطوة تجاه لبنان رغم كل الوساطات الدولية، بل على العكس، فهي تعمل على مزيد من الضغط بالنار، عبر الغارات والاستهدافات والاغتيالات والتوسع والتدمير والتجريف والحرق، فضلا عن التهديدات اليومية على لسان مسؤولي الكيان أو المبعوث الأميركي توم باراك الذي تحول بعد فشل مهمته في لبنان الى أداة إسرائيلية تتحرك وفقا لتوجهات بنيامين نتنياهو.
مع دخول الإتفاق حيز التنفيذ قبل عام، وجه الرئيس نبيه بري نداء الى أبناء الجنوب بضرورة التوجه الى مناطقهم، وقد لبى الجميع هذه الدعوات وشهدت طرقات الجنوب زحمة سير خانقة بسيارات المواطنين الذين رفعوا شارات النصر، لكن هذه العودة ما لبثت أن توقفت وتقلصت بفعل الاعتداءات ومنع إسرائيل إعادة الإعمار في مخالفة جديدة لبنود الإتفاق، في وقت لم تبذل فيه حكومة نواف سلام الجهد المطلوب أو أن ترصد الأموال المطلوبة أقله لإنجاز أعمال الترميم لإعادة عشرات آلاف العائلات الى مناطقها، حيث طرحت إسرائيل المنطقة العازلة، وبدأت بقصف أي تحرك إعماري ولو ببيوت مؤقتة في أي بلدة لبنانية بهدف زيادة الضغط على بيئة المقاومة التي تزداد صلابة وتمسكا بنهجها.
أمام هذا الواقع، يبدو الأفق مسدودا، فلا مبادرات ولا حلول ولا ترجمة لأي إتفاق، ما يضع لبنان أمام مفترق طرق، لجهة:
أولا: أن تنجح المساعي الدولية أو أي تسوية في المنطقة في تثبيت الإتفاق وتوسيعه، وهذا يتطلب موقفا إسرائيليا واضحا بالانسحاب ووقف الاعتداءات.
ثانيا: بقاء الوضع على ما هو عليه من الاعتداءات المتواصلة التي قد تُخرج المقاومة عن طورها في أي لحظة، أو أن تؤسس الى حركات مقاومة جديدة في البلدات الجنوبية,
ثالثا: الإنزلاق الى مواجهة شاملة من خلال حرب مفتوحة، وهذا ما حذر منه وزير الخارجية المصري بدرعبدالعاطي كل من إلتقاهم أمس.
إذاً، عام على إتفاق وقف إطلاق النار، والنتيجة: فشل الدبلوماسية اللبنانية في الوصول الى أية حلول، ودفن رؤوس بعض المسؤولين من رئيس الحكومة الى وزير الخارجية بالرمال لتغطية العجز والإعتماد على بعض الشعارات التي لا تسمن ولا تغني من أمن أو إستقرار أو سيادة، إلتزام للبنان بكامل البنود، إلتزام وصمود للمقاومة وربما إعادة ترميم لمختلف قطاعاتها، ومزيد من الغطرسة الصهيونية، وما بين الاعتداءات والالتزامات يقف لبنان عند حافة معادلة دقيقة، لا تُغلق فيها أبواب الحرب ولا تُفتح فيها أبواب السلام.
غسان ريفي – سفير الشمال

