بقلم الأستاذ بلال الشيخ
أبونا جان، المجبول من تراب الجنوب ومن ضيعة دبل الجنوبية، نراك حيث يراك الناس: قريبًا من القلوب قبل المقاعد، وأكثر حضورًا في الوجدان منه في أي منصب أو عنوان. لم تدخل إلى حياة الناس بصفةٍ رسمية، بل دخلت ببسمة وصدق، وبإصغاء يشبه حضن الأرض التي أنجبتك. أنت واحد من الوجوه التي لا تحتاج إلى تقديم، لأن شهادتك الحقيقية هي طريقة عيشك، لا ما يُقال عنك.
لقد حملت صور والجنوب في قلبك، ومشيت بين الناس لا خلفهم ولا أمامهم، بل بجانبهم، تشعر بتعبهم قبل أن تنصحهم، وتساندهم قبل أن يسألوك. جعلت من رسالتك مساحة لقاء، ومن الإيمان عملاً ملموسًا، ومن إنسانية الإنسان جسراً يلتقي فيه المختلفون على ما يجمعهم لا على ما يفرّقهم.
أبونا جان، القامة الروحية لا تُقاس بطول الطريق، بل بعمق الأثر. وها هو أثرك باقٍ حيث مررت، لأنك زرعت علاقة قبل أن تزرع فكرة، ولامست القلوب قبل أن تخاطب العقول. ليس سهلاً أن يجتمع في إنسانٍ الإيمان والعقل، الحزم والوداعة، الثبات والاتساع… ولكن هذا ما رأيناه فيك، وما جعل حضورك بيننا قيمة لا تعوّض.
لقد مشيت على خطى الإمام السيد موسى الصدر، متبنياً روح المبادرة والخدمة والانفتاح على الجميع، فكانت خطواتك في الجنوب مرآةً لقيمه وتعاليمه، وامتدادًا لمسيرته في الوحدة والإنسانية.
نراك تجسّد معنى الخدمة التي لا تبحث عن ضوء، والقيادة التي لا ترفع الصوت، والرسالة التي لا يطويها الزمن. وما يبقى في النهاية ليس ما يتركه الإنسان في السجلات، بل ما يزرعه في النفوس. وأنت زرعت ما يكفي ليظل اسمك محفورًا في ذاكرة الناس لا بالحبر، بل بالاحترام.
أبونا جان، نتمنى لك كل التوفيق في منصبك الجديد كأمين عام لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، وندعو الله أن يبارك مسيرتك ويقوي عزيمتك على الاستمرار في رسالتك الإنسانية والروحية. ورغم بعد المكان، سنظل نشعر بك حاضرًا معنا، بين قلوبنا وأفكارنا، نستنير بحضورك ونتلقّى دائمًا دفء كلماتك وروحك الصافية. ستبقى بيننا دائمًا، حاضراً بمعنى الصداقة والوفاء، ومثالاً حيًا على الإنسان الذي يزرع الأمل أينما حلّ.
وأقول لك ببساطة وصدق: أينما كنت، ستظل من الجنوب وإليه، ومن صور وفي قلبها. لأن بعض القلوب تشبه الأوطان، حين تحتضننا نشعر أننا لسنا ضيوفاً بل أهل البيت.
حماك الله في رسالتك الجديدة كما حماك في مسيرتك السابقة، وجعل حضورك دائماً مساحة طمأنينة ولقاء. فهناك أشخاص يرحلون بأقدامهم، ولكنهم يبقون فينا مدى الحياة… وأنت واحد منهم.
