غزة إنتصرت بكلفة عالية جداً.. ماذا عن إنتقال التجربة إلى لبنان؟!

بعيدا عن التحليلات الايجابية والسلبية حول إنهاء الحرب على غزة ببنود الاتفاق التي خضعت لنقاشات وتعديلات مهمة، يبقى القول أن غزة إنتصرت لكن بكلفة عالية جدا.

الانتصار التاريخي كان بعدم قدرة العدو الصهيوني على تحقيق أهدافه المعلنة، وبأن تجربة غزة وأهلها هي تجربة كانت مع قدرات فريدة من نوعها، وأن فرادة أبناء غزة هي في أنهم قادرين على إعادة إنتاج القدرات، وبالتالي فإن فشل الكيان الاسرائيلي في تهجير أبناء غزة إلى خارج القطاع هو بيت القصيد في هذا الانتصار الذي حققته غزة بدماء أبنائها، وبصمود من تمسكوا بأرضهم وواجهوا كل آلات الابادة والتجويع.

مصير حماس وسلاحها وقدراتها والمقاومة وفصائلها ما يزال غير واضح في الاتفاق الذي تم توقيعه، لكن حماس وبغض النظر عن الاتفاق إستطاعت أن تحقق ما طرحته منذ بداية الحرب، لجهة أن الأسرى الصهاينة الأحياء منهم والأموات لن يستطيع الكيان الوصول اليهم إلا بصفقة تبادل، وهذا ما جرى فعلا، وبالتالي فإن إطلاق سراح ما يقارب ألفيّ فلسطيني من بينهم أسماء قيادية ذات أحكام مؤبدة هو إنجاز تاريخي يُسجل لحماس ولفصائل المقاومة.

السؤال المركزي في كل ما يحصل، هو: هل ستلتزم إسرائيل بهذا الاتفاق بعد إطلاق سراح أسراها؟، بات معلوما أن إسرائيل لا تحترم قوانين ولا إتفاقات ولا إرادة دولية حتى تعهداتها لأميركا تنصلت منها في أكثر من محطة، وعليه يُفترض بغزة وأبنائها ومقاومتها ألا يأمنوا جانب الاحتلال وأن لا يتنازلوا عن قدراتهم وقوتهم لأن الغدر سمة هذا العدو الذي سيجد مبررات كثيرة لخرق الاتفاق والسعي إلى تصفية قيادات حماس وكوادرها بعد خروجهم من الأنفاق، حيث لا الضمانات الدولية تنفع ولا الضمانات الأميركية يمكن الركون إليها، ولعل الاعتداءات الاسرائيلية المتواصلة على غزة رغم الإعلان عن الاتفاق أكبر دليل على ذلك.

صحيح أن غزة إنتصرت ولم تستطع إسرائيل تحقيق أهدافها وإستطاعت المقاومة أن تثبت مصداقيتها، لكن هذه المقاومة قبل أي شيء يفترض أن تبقي الأصبع على الزناد لمواجهة الغدر الصهيوني المحتمل في أي لحظة.

يمكن القول أن تجربة حماس في طوفان الأقصى وفي الحرب وفي المفاوضات وصولا إلى الاتفاق لا تشبه إلا نفسها، وبالتالي فإن الحديث عن إنسحاب هذه التجربة على المقاومة في لبنان هو بعيد كل البعد عن المنطق حتى الآن، خصوصا أن الظروف مختلفة وكذلك القدرات والجغرافيا والبعد الاقليمي، فضلا عن أن المقاومة في لبنان قالت كلمتها التي تؤكد أن لا نقاش ولا حديث في السلاح قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف الاغتيالات وإطلاق الأسرى والالتزام بإتفاق وقف إطلاق النار.

جاءت موافقة حماس على بنود خطة ترامب من أجل عدم تحميل أبناء غزة المزيد من الأعباء والمعاناة والمجازر والجوع، لكن في لبنان الأمور تختلف، وبالتالي فإن الحديث عن أوجه الشبه بين حماس وحرب الله وإمكانية إنسحاب تجربة غزة على لبنان هو مجرد سراب يحسبه الظمآن ماء.

لكن، ماذا عن إمكانية تجدد الحرب الاسرائيلية على لبنان؟

تقول مصادر سياسية متابعة، أن “علينا أن نتوقع من الكيان الغاصب كل شيء، لكن هذا العدو مرهق ومأزوم ومحاصر بموقف دولي رافض له ولدوره وسياساته ووحشيته وبطشه، حتى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال لنتنياهو: “لن تستطيع أن تقاتل العالم”.

علما أن حركة الشعوب في العالم ليست مزحة ولا مجرد فولكلور، وإستطلاعات الرأي وما تظهره من كراهية للكيان ليست تفصيلا بسيطا، بل يجعل إسرائيل محاصرة من عدة جهات ويدفع شعوب العالم إلى نبذ هذا الكيان، وبالتالي فهو غير مؤهل لخوض حرب جديدة على لبنان، خصوصا أنه يقوم بعمليات دقيقة مستفيدا من ظروف معينة، لكن سيأتي يوم قريب جدا ستُفرض فيه معادلات جديدة ستحد من قدرة إسرائيل على إستمرار تنفيذ مثل هذه العمليات”.

وتقول هذه المصادر: “إن الحديث عن حرب إسرائيلية جديدة تدخل ضمن أحلام جهات لبنانية تسعى إلى تغيير معادلات داخلية، وهذا الأمر لم ينجح سابقا ولن ينجح اليوم، وعلى هؤلاء أخذ العبرة ممن إستخدمتهم أميركا وإسرائيل في أماكن عدة ومن ثم تركتهم لمصيرهم، لذلك، على من يستقوي اليوم بالعدو الصهيوني على شركائه في الوطن أن يرى الصورة جيدا وأن يقرأها بكثير من الوعي والحكمة.

غسان ريفي – سفير الشمال

Leave A Reply