عندما تجول نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس على المسؤولين اللبنانيين بقلادة تمثل نجمة داوود تطوّق بها عنقها، فهي بذلك تطوّق لبنان وشعبه بالشروط الاسرائيلية المدعومة أميركيا، وتؤكد في الوقت نفسه أنها ليست وسيطا نزيها بين المعتدي والمعتدى عليه، بل هي تسعى إلى أن تعطي الأول ما لم يستطع أن يأخذه في الحرب، وأن تدفع الثاني الى الإستسلام.
يبدو واضحا أن كل ما تريده أميركا اليوم هو إخضاع لبنان بكل مكوناته، وإذا تعذر عليها ذلك، فإن الفتنة الداخلية جاهزة من خلال الأدوات التي تتنطح ليل نهار بمواقف إستفزازية وبطروحات من شأنها أن تضرب اللبنانيين بعضهم ببعض وأن تعيد النفخ في بوق الحرب الأهلية التي يستعد لبنان لإحياء ذكراها الخمسين تحت الشعار التقليدي “تنذكر وما تنعاد”.
ثمة تخبط واضح في الموقف الأميركي فما عبرت عنه أورتاغوس خلال زيارتها إلى لبنان نقضته لدى عودتها وإنقلب هدوءها مع المسؤولين اللبنانيين إلى تصعيد وعنف في مواقفها بعد مغادرتها، ربما لأنها لم تجد لدى المسؤولين اللبنانيين الاستعداد للتضحية بوطنهم وشعبهم وإدخالهم في آتون فتنة لا تبقي ولا تذر في سبيل إرضاء الغرور الأميركي.
ويبدو في هذا الإطار، أن ما عجزت أميركا عن إنتزاعه وكّلت فيه حلفاءها في لبنان من القوات اللبنانية التي بدأت تضغط باتجاه تنفيذ المطالب الأميركية وتنقلب في مواقفها على رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الساعي إلى الالتزام بالقرارات الدولية وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها من دون أن يعرّض لبنان لمخاطر الانقسامات والفتن الداخلية، إلى بعض نواب التغيير الذين يمعنون في التحريض والاستفزاز ويتماهون مع المطالب الأميركية – الاسرائيلية.
لا شك في أن ما تطلبه أميركا من لبنان لا يراعي خصوصياته وحساسياته وتوازناته، كونها تنظر اليه بعين واحدة أو من العين الاسرائيلية، وتتحدث عن الشيء ونقيضه فتؤكد على نزع سلاح حزب الله لتتمكن الدولة من بسط سلطتها على كامل أراضيها بقواها الذاتية وتغض الطرف في الوقت نفسه عن الاحتلال الاسرائيلي الذي ينتهك السيادة اللبنانية برا وبحرا وجوا ويستمر في عدوانه الوحشي اليومي.
لذلك، فقد حرص رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على أن يأخذ الأمور بصدره، لجهة المواجهة والتمسك بالأولوية اللبنانية المتمثلة بالانسحاب الإسرائيلي ووقف العدوان وإطلاق الأسرى وترسيم الحدود ومن ثم معالجة موضوع سلاح المقاومة والذي قرر عون فتح حوار مع حزب الله بشأنه وحول إستراتيجية الدفاع الوطني التي تحافظ على حضور وقوة لبنان.
وكما هي العادة فقد إنقسم اللبنانيون حول قرار الرئيس عون بين أكثرية داعمة لعلمها المسبق بالمخاطر التي قد تواجه لبنان في حال كان التوجه هو تنفيذ الرغبة الأميركية ـ الاسرائيلية بنزع سلاح حزب الله بالقوة أو عبر الجيش ومن دون حوار، خصوصا أن الحزب أعلن عن كثير من الايجابية والانفتاح على كل الطروحات وهو ما يزال يلتزم بوقف إطلاق ولم يطلق أي رصاصة رغم كل الاعتداءات والاستفزازات الاسرائيلية، وبين أقلية تتزعمها القوات اللبنانية التي تنصب نفسها “شرطيا أميركيا” تحصي أنفاس الرؤساء والوزراء فتنقلب على كل من يخالف التوجهات الأميركية وتنظم مضبطة إتهام بكل من يتحدث بعقلانية ومنطق عن كيفية سحب سلاح المقاومة من نائب رئيس الحكومة طارق متري الى وزير الثقافة غسان سلامة، الى سائر الوزراء، ما يؤكد أن حقد القوات التاريخي على المقاومة يدفعها الى التطوع لممارسة كل أنواع الضغط والتحريض والاستفزاز لتجريدها من سلاحها مهما كان حجم التداعيات وكارثيتها على البلاد والعباد.
غسان ريفي – سفير الشمال

