لبنان بين ثقل الواقع وأمل البقاء – كتب المحامي علي كوثراني

في السنوات الأخيرة، لم يعد اللبناني يواجه أزمة واحدة يمكن احتواؤها أو تجاوزها، بل وجد نفسه أمام سلسلة متواصلة من التحديات التي طالت مختلف جوانب حياته. فمن الضغوط الاقتصادية والمعيشية، إلى الهجرة، مروراً بالفقدان والأزمات الاجتماعية والنفسية، باتت الحياة اليومية أشبه بمحاولة مستمرة للصمود.

لم يعد الألم مرتبطاً فقط بالعجز عن تأمين متطلبات الحياة الأساسية، بل أصبح يمتد إلى مشاعر الفقد والفراق. فهناك من فقد عزيزاً، وهناك من فقد منزلاً أو وظيفة أو مشروعاً أو حتى حلماً كان يخطط لتحقيقه. وهناك أيضاً من يعيش ألم الفراق بصمت، بعدما اضطر أحد أفراد عائلته أو أصدقائه إلى السفر بحثاً عن فرصة حياة أفضل.

وسط هذه الظروف، ازدادت الضغوط النفسية والاجتماعية، وارتفعت حدة التوتر والخلافات بين الناس. فالإنسان الذي يعيش تحت ضغط دائم يصبح أكثر عرضة للغضب والانفعال والإحباط. ومع ذلك، لا يمكن اختزال المجتمع اللبناني بهذه الصورة فقط، لأننا ما زلنا نشهد يومياً نماذج من التضامن والتكافل والمبادرات الفردية التي تؤكد أن روح المجتمع لم تنكسر رغم كل ما مرت به.

إن أخطر ما قد نواجهه اليوم ليس الأزمة بحد ذاتها، بل الاعتياد عليها. عندما يصبح الألم أمراً طبيعياً، وعندما تتحول المعاناة إلى جزء من الروتين اليومي، نكون أمام تحدٍ أكبر من أي أزمة اقتصادية أو اجتماعية. لذلك، تبقى مسؤولية كل فرد أن يحافظ على إنسانيته وعلى قدرته على مساندة الآخرين والاستماع إليهم ومساعدتهم قدر المستطاع.

لبنان اليوم يحتاج إلى ما هو أكثر من الحلول التقنية والإدارية، فهو يحتاج أيضاً إلى استعادة الثقة بين الناس، وإلى خطاب يجمع ولا يفرّق، ويعترف بمعاناة الجميع دون استثناء. فالوجع لا يسأل عن انتماء، والفقد لا يميز بين شخص وآخر، والأمل كذلك يجب أن يكون متاحاً للجميع.

ورغم كل الصعوبات، يبقى اللبناني متمسكاً بفكرة الغد الأفضل. ليس لأن الواقع سهل أو لأن المؤشرات مطمئنة دائماً، بل لأن الاستسلام لم يكن يوماً جزءاً من ثقافة هذا الشعب. وبين الألم والأمل، تستمر رحلة الصمود، على أمل أن يأتي يوم تصبح فيه الحياة الكريمة حقاً طبيعياً لا حلماً مؤجلاً.

المحامي علي كوثراني

Leave A Reply