اللبناني والمونديال… التعصب سيد الموقف رغم عدم التأهل

على نقيض الانهيار المالي لا توحي الأجواء الاحتفالية “المونديالية” بأن لبنان يمر بأزمة اقتصادية. فها هي فرصة الموسم أطلت لتأمين الأرباح لأصحاب المؤسسات التجارية والسياحية، ولتضرب موعداً مع تنفيس الاحتقان لدى المواطن العادي، على شكل تعصب لهذا الفريق أو ذاك من الفرق الكبرى رغم عدم تأهل المنتخب اللبناني إلى منافسات كأس العالم لكرة القدم، ولا لمرة واحدة في تاريخه.

يستعيد اللبناني في عام 2022، إرثاً طويلاً من التشجيع للمنتخبات العالمية، ولئن كانت الحصة الكبرى عبر الزمن للبرازيل وألمانيا، فإن دخول منتخبات أخرى دائرة التحزب ليس مستغرباً من فرنسا إلى إسبانيا والبرتغال، مدفوعة بالتأثير المباشر لنجوم كرة القدم. هذا العام استقبل اللبناني مسابقة كأس العالم في كرة القدم بفائض من العاطفة، والتعبير المبالغ فيه، حيث يخال للمار في بعض الشوارع في لبنان أنه في زيارة إلى أحد الملاعب التي تحتضن المباريات. ففي بعض المناطق لم ينتظر المشجعون انطلاق المونديال، لإطلاق المواكب السيارة كما حدث في “جبل محسن” (منطقة طرابلس)، حيث خرج جمهور منتخب البرازيل أولاً. وقال محمد إن “المواكب تأتي لتجديد الحب لمنتخب السامبا”، معبراً عن “شماتته” بخسارة منتخب ألمانيا أمام اليابان في افتتاح مبارياتها في المونديال بنتيجة 2-1. في المقابل، أعد جمهور المنتخب الألماني العدة، وملأ الشوارع بالأعلام الضخمة وبشعارات الماكينات الألمانية، ومارس الكثير من الدعاية قبل بدء المونديال، وبثقة كبيرة أعرب عن “قرب تحقيق النجمة الخامسة” كما يقول سعيد أحد المشجعين المتحمسين لألمانيا.

وتختصر ألفاظ المشجعين قدر الانفعال النفسي لديهم، إذ يقول أحدهم “أنا دمي أخضر وأصفر” إشارة إلى مقدار حبه للبرازيل، فيما يستخدم آخر “نجدد العهد لماكينات الألمانية المناشافت”. فيما تظهر أكثر خجلاً الشعارات الفرنسية بصورة معهودة وتقليدية “هيا أيها الزرق” (Allez Les Bleus)، فيما اختصر آخرون حبهم الفرق المفضلة بغزل صارخ بـالبرتقالي الهولندي والأرجنتيني ليونيل ميسي أو البرتغالي كريستيانو رونالدو، فيما شكل غياب إيطاليا متنفساً لمشجعيهم الذين نفضوا أيديهم من المونديال الحالي.

الأخضر السعودي في الميدان

أخرس “صقور السعودية” و”الكمبيوترات اليابانية” أبطال العالم في الأرجنتين وألمانيا. وشكل هذا الأمر نقطة تحول بالنسبة للمشجع اللبناني، فرحة عارمة بدت في نفوس وعلى وجوه الجمهور اللبناني، بعد الانتصار التاريخي للأخضر. وليس من قبيل المبالغة القول إنها المرة الأولى التي يخرج فيها الجمهور اللبناني ليحتفل بفوز منتخب عربي. بدا الأمر وكأنه انعطافة تاريخية في تقدير الذات بالنسبة للمشجع العربي، فإذا بالجماهير تطلق العنان لأبواق سياراتها، وترفع الأعلام الخضراء التي قاتلت بروح الجماعة حتى الصافرة الأخيرة لحكم المباراة. وجد اللبناني في المنتخب السعودي انعكاساً لأمانيهم ببلوغ كأس العالم ومقارعة الكبار والانتصار عليهم. وفي مساء الأربعاء 23 نوفمبر (تشرين الثاني)، “شمت” الجمهور البرازيلي بخصمهم اللدود الماكينات الألمانية.

الولاء للأبطال

تشكل الأعلام الضخمة التعبير الصارخ عن تعصب الجمهور اللبناني للفرق العالمية. نستعرض بعض القصص التي تعكس سيكولوجية الجماهير التي تتماهى مع الفرق العالمية. يختصر مارك (35 سنة- مشجع لبناني لمنتخب البرازيل) شعور كثر آخرين برد الجميل للبلاد التي احتضنتهم لعقود، إذ ينتمي الشاب الطرابلسي إلى عائلة عاشت وعملت في البرازيل، وعاد منذ خمس سنوات إلى لبنان. وقام بخياطة علم برازيلي بطول 30 متراً، غطى من خلاله واجهة المبنى الذي يقطنه والمكون من ثماني طبقات. يضع ذلك في دائرة رد الجميل لتلك البلاد التي يحمل في جيناته ثقافتها، رافضاً الحديث عن “تعصب أعمى” لأنه “تراضى مع جيرانه الذين يقطنون المبنى ومنهم مشجعون كثر للمنتخب الألماني”.

وروى الشاب الطرابلسي أنه لم يجد علماً ضخماً عند الباعة، فقام بشراء القماش، وأحضره إلى خياط محترف، ثم احتاج إلى خمسة رجال لمساعدته على حمل العلم وتركيبه. وعبر عن سعادته بقيام المارة بتصوير ذلك العلم بكثافة أو الوقوف قرب المبنى لالتقاط صور مع العلم الضخم.

من جهته، أعد جمهور المنتخب الألماني عدته وكسوا سياراتهم بالأعلام الضخمة، كما غطوا أحد شوارع الميناء في طرابلس بالأعلام الألمانية. وتولى الشاب سعيد تجهيز علم عملاق يغطي الشارع، قائلاً إن “حبه لألمانيا يعود إلى فترة الطفولة”، وهو يرى فيها النموذج الحقيقي للفريق القوي والمحترف. واعتبر أن ألمانيا مهيأة للفوز مجدداً بكأس العالم، معبراً عن آماله بعدم تكرار تجربة المونديال الماضي في روسيا، حين خرجت ألمانيا من الدور الأول.

في المقابل، يبدو وجود شرائح من المشجعين متعددي الأهواء الكروية، فلم يتردد الشاب “عبد” برفع علمي المنتخبين الألماني والبرتغالي على شرفة منزله، وعند سؤاله عن السبب، أجاب أنه يشجع تاريخياً الماكينات الألمانية، إلا أنه لا يمكنه إخفاء حبه وإعجابه بالنجم البرتغالي كريستيانو رونالدو.

موسم المقاهي الرابح

للوهلة الأولى يظهر المونديال كمناسبة تجارية رابحة للتجار، في مقدمة هؤلاء يأتي أصحاب المؤسسات السياحية والمقاهي، التي تتجاوز تسعيرة الدخول إلى بعضها الحد الأدنى الرسمي للأجور. وفي محاولة لمعرفة أسعار الحجوزات أثناء المونديال، تواصلنا مع 5 مقاه، تراوحت قيمة الحجز بين 600 و800 ألف ليرة لبنانية لمباريات الدور الأول. وعند السؤال عن كيفية احتساب التسعيرة، يوضح أصحاب المقاهي “أن الحد الأدنى للتسعيرة هو 800 ألف ليرة لبنانية، يمكن للزبون تناول طعام، نرجيلة، وعصير. وهو ملزَم بدفع المبلغ حتى ولو لم يقم بأي طلب”، مستدركاً “في حال تجاوزت قيمة الطلب المبلغ المقطوع، على الزبون دفع الفرق”. ويطالب صاحب المقهى المتصلين بـ”الاستعجال في الحجز لأن حجم الطلبات كبير، وتحديداً على أوقات مباريات البرازيل وألمانيا”.

وفي عملية حسابية بسيطة، فإن متوسط كلفة متابعة منتخب واحد لثلاث مباريات، تتراوح بين 1.8 مليون و2.4 مليون ليرة لبنانية، وهو مبلغ كبير مقارنة بدخل اللبناني المقيم. إلا وأنه رغم ذلك، يتحدث أصحاب المقاهي عن “حجوزات كاملة للمقاهي خلال أيام المونديال”.

الكلفة المرتفعة للبث

أدى عدم نقل المونديال عبر شاشة “تلفزيون لبنان” إلى حالة من الحيرة لدى اللبنانيين، فاضطروا إلى البحث عن حلول رديفة، فمنهم مَن سلك الطرق الشرعية من خلال الاشتراك بـشبكة “بي أن سبورت “التي تبلغ كلفتها 90 دولاراً كعرض خاص بالمونديال، ومن كان لا يمتلك تلك القدرة اتجه، إما إلى إشتراك خاص بالكيابل المحلية أو اللجوء إلى خبراء الصحون اللاقطة من أجل توجيهه نحو القمر التركي. وبين هذا وذاك، هناك مَن يكتفي بمتابعة المباريات المنقولة على القنوات المفتوحة.

كما لجأ البعض إلى تطبيقات البث عبر الإنترنت من أجل متابعة المباريات المشفرة، حيث يلتزم المستخدم بتنزيل التطبيق وإدخال شيفرة معينة من أجل متابعة المباريات. وفي هذه الحالة، يضطر المتابع إلى استخدام هاتفه الذكي. وكان لافتاً ما قام به عدد كبير من طلاب الجامعات أثناء مباراة ألمانيا واليابان، حيث غادر عدد من طلاب كلية العلوم في الجامعة اللبنانية صفوفهم من أجل متابعة المباراة الحماسية. كما جهزت بعض المعاهد والجامعات الخاصة صالات خاصة داخل قاعاتها من أجل إتاحة الفرصة لطلابها من أجل متابعة مباريات كأس العالم.

المفرقعات سيدة الموقف

في سياق متصل، لاحظ أصحاب مؤسسات الألعاب والملابس الرياضية ارتفاعاً في الطلب على: الأعلام، التجهيزات، الأكسسوارات، وقمصان الفرق، ناهيك عن الأبواق العملاقة والمفرقعات. وأكد أحدهم ويدعى سامر أن “الإقبال لم يتراجع رغم الحالة الاقتصادية السيئة، لأن الحماس سيد الموقف، ولا يمكن لأحد أن يقصر مع فريقه”.

وتتراوح أسعار الأعلام بين الدولار الواحد للعلم الصغير، والعشرة دولارات للأعلام المتوسطة وهكذا دواليك. ونظراً إلى ارتفاع الكلفة يشير الشاب يوسف (مشجع للمنتخب الألماني) أنه سيقوم بطي العلم وادخاره إلى المناسبات المقبلة.

أما أسعار الزمامير فتتراوح بين الدولارين والستة دولارات، وترتفع الكلفة عند البحث عن قمصان المنتخبات. وتبقى المفرقعات الحاضر الأكبر في الاحتفالات، وتتفاوت أثمانها بحسب الحجم والضخامة وعدد الطلقات، إلا أن المفضلة هي التي يبلغ ثمنها 9 دولارات، التي تتضمن 20 طلقة متوسطة القوة.

بشير مصطفى – اندبندنت

Leave A Reply