ما الذي يفعله الرئيس ميشال عون؟

تتفاعل المواقف الأخيرة لرئيس الجمهورية ميشال عون سياسياً، من مسألة ترسيم الحدود الجنوبية، إلى وضعيته بعد 31 تشرين الأول 2022 تاريخ خروجه من قصر بعبدا. في كلا الحالتين ضُبط الرئيس ملتبساً وهو يشيّع مواقف غامضة أو متباينة لاثارة الرأي العام أو استدراجاً لمواقف الأخصام.

يتقصّد الرئيس عون المشاغبة السياسية إذاً، وأفكاره التي يقدّمها على شكل تصريحات متناقضة في شكلها وجوهرها، ما هي سوى علامات على طروحات يفكر ويستدعي النقاش فيها، تستبطن عملياً مضموناً واحداً: المقايضة.

ومع قرب دخول المُهل المتّصلة بالإستحقاقات الدستورية مداها الزمني، لا بدّ لتلك الأفكار أن تخرج من شرنقة التصريحات الصحافية على شكل مصادر وأوساط، إلى الفضاء السياسي العام تمهيداً للشروع في مناقشتها، وهذا ما يحدث الآن.

في البداية، وعبر جريدة “الأخبار” كان رئيس الجمهورية دقيقاً في إعلانه “عدم جهوزيته لتسليم البلد إلى الفراغ”. فُسّر الكلام على أنه ليس في وارد مغادرة قصر بعبدا والبقاء فيه عنوةً عن الدستور إلى حين انتخاب رئيس جديد للجمهورية ليسلّمه الكرسي. ذلك التصريح أحدث دوياً سياسياً ما زال يُسمع صداه، وأخذت نشوة التصريح ببعض الأطراف السياسية حدّ البدء في بناء الحملات منذ الآن على غرار “فِلْ” التي ووجهَ بها الرئيس إميل لحود. وبينما كان هؤلاء كذلك، أتى بهم عبر صحيفة “الراية” القطرية معلناً بأنه ليس في وارد أن يبقى في القصر أو أن يمدّد لنفسه، وقد فُسّر موقفه الجديد تراجعاً عما سبق، بعد الحملات والنصائح التي تلقّاها، وجعل من الفصائل السياسية المناوئة له تترقّب هذا التقلّب في الموقف ومصدره لتهدأ بعدها قليلاً، ليعيد عون قلب الأمور رأساً على عقب عبر قناة “الجزيرة” القطرية، طارحاً أفكاراً من قبيل “شرعية” التمديد إن أتى عبر مجلس النواب. وقد حدث ذلك مرات عديدة، وكأنه يمهّد لجهوزيةً في تبنّي هذا الخيار متى كان ضرورة! فما الذي يفعله الرئيس عون؟

الخبير باستراتيجيات ميشال عون القديمة وتكتيكاته، لا يخفى عليه أن الرجل يثير تصريحاته قاصداً استدراج الإنتباه نحوه وهذا يُخفي في بواطنه رغبةً في طرح أوراق التفاوض على الطاولة قبيل حلول لحظات الحسم، وإبقاء النقاشات ساخنة. معنى ذلك أن الرئيس يناور ويثير الجلبة قبل المواعيد الدستورية ويتعمّد إخفاء موقفه الحقيقي من القضايا الأساسية أو يناور فيها إلى حين اتّضاح الصورة. في أثناء ذلك يرتّب أوراقه لمقايضةٍ ما لا بدّ أن تأتي لاحقاً. ويبدو أن لديه أجواءً توحي بغياب الحلول، أو أنه في جوّ أن تبدّلات سياسية طفيفة ستحدث، ولا بدّ له حينها من حفظ موقعه وموقع فريقه السياسي. في كلتا الحالتين لا بدّ للرئيس من تحصين موقفه السياسي وشدشدته وفتح بازار المفاوضات طالما أنه في السلطة، للإستفادة من تأثيرات هذا الوجود الذي سيضمر حين يخرج منها وبالتالي تخفّ إمكانية تحقيقه للمكاسب، وهذا إنما يأتي عبر تعزيز الشروط ورفعها من خلال الإستفادة من وهج موقعه.

يستدرك آخرون ما يحدث الآن ويستبشرون بأن عون ماضٍ في مواجهة كبرى، لتحصيل المكاسب في مسألة الإنتخابات الرئاسية منذ الآن. وينمو الشك لديهم بأن وضعية تياره السياسية غير واضحة المعالم بعد، وقد تأتي الإنتخابات على وضعية كتلته النيابية الحالية المسلفة إلى “التيار الوطني الحر” وزعامة جبران باسيل وقتياً ، ما يُخرج قدرتها على التحكم بالمسار السياسي الرئاسي لاحقاً. هذا يستوجب تعزيز الوضعية عبر اتخاذ خطوات سياسية مدروسة ينتج عنها إتفاقيات. لذلك، يريد عون المقايضة منذ الآن وتحصيل ما يمكن تحصيله، وأولى هذه الأهداف كان طرح قضية تقريب مهل الإنتخابات الرئاسية حتى آذار، بمعنى أن ينتخب المجلس الحالي الرئيس المقبل، ما يحفظ لرئيس الجمهورية رؤيته في القضية ويُخرج المجلس المقبل من الإستحواذ على خاصّية اختيار الرئيس، سيّما في ظلّ ضمور خريطة هذا المجلس. لكن سرعان ما سقط هذا الإقتراح نتيجة عدم رغبة الأطراف السياسية في منح رئيس الجمهورية سلطة قرار على هذا الملف، ظنّاً منهم أن نتائج الإنتخابات المقبلة ستتكفّل بإنهاء الفرضية وستطيح بما تبقّى لعون، وعليه لماذا نسلّفه عناصر قوة مجاناً؟ تأسيساً على ذلك، يستبق رئيس الجمهورية الأمور حين “يلغم” الأجواء عبر إشاعة قضية التمديد سعياً منه لنيل مكتسبات حيال المشاركة في صوغ هوية الرئيس المقبل.

وثمة من يقول أن لسقوط هذا المقترح أثماناً سياسياً تتعدى ما هو منظور حالياً، وهي المسؤولة عن نقل الرئيس اليوم إلى ضفة النقاش الصاخب بصوت عالٍ طارحاً أوراقه على الطاولة، ومستدرجاً الجميع إلى نقطته السياسية ومقبلاً على ما يبدو على مفاوضات شاقة، سرعان ما ستنضمّ إليها الفصائل السياسية الأخرى ولو بشكل غير معلن. أولّ تلك المؤشرات وضعية الأزمة السياسية الحالية والإنتخابات والتحقيقات بانفجار المرفأ وأحداث الطيونة و موضوع ترسيم الحدود البحرية الجنوبية، وهي ملفات قياساً على وزنها، تحمل نفس درجة الأهمية السياسية. إذاً لا بدّ من مخرجٍ يجمع كل هذه الملفات بسلّة واحدة، أي الإتفاق الشامل على قضايا متعددة، يبدو أن هذا ما ينيشن عليه الرئيس.

ويُقال أن انهيار “مسودة الحل” في إجتماع عيد الإستقلال الرئاسي الثلاثي، كان من أهمّ أسبابه عدم التوصل إلى ربط كامل بين جميع الملفات الساخنة والوصول إلى خلاصة حلّ واحدة. فصحيحٌ أن المسار كان يبدأ بالفصل القضائي بين ملفي الطيونة و المحقق العدلي في تفجير المرفأ طارق البيطار، لكن في الجوهر هما متصلان. فعنصر قوة الدفع التي يفاوض من خلالها الثنائي الشيعي اليوم، تتمثّل ليس فقط بوضعية البيطار “الشاذة” وإنما في وضعية تحقيقات الطيونة التي تشكّل عامل ضغط على المكوّن المسيحي. إنطلاقاً من تصريف هذه القواعد كان يتوجّب الإنتقال إلى قضية تجميد العمل بالتفاهم الحكومي والذي أثمرَ تجميداً لجلسات مجلس الوزراء، على قاعدة إيجاد مخرج لاستقالة الوزير جورج قرداحي يمكن توفيره في حال إبرام تفاهم شامل على كافة المواضيع الأخرى ومنها موعد الإنتخابات وطبيعة اقتراع المنتشرين التي طُرحت كبندٍ ضمن المقايضة الشاملة. لكن “المشروع” كلّه تعرض للجمود، نتيجة موقف رئيس الجمهورية الرافض لتمرير الحلول بهذا الشكل المجتزأ من دون الأخذ في الإعتبار قضايا أخرى بحاجة لتفاهمات، من ضمنها موضوع الإنتخابات. فأخذت النيابية و استثنيت الرئاسية، كذلك ترك موضوع ترسيم الحدود البحرية ليأخذ مداه على شكل تدخّلات تقوم بها رئاسات ومرجعيات أخرى من خارج التفاهم مع رئيس الجمهورية ما يعرّي الموقف السياسي الرسمي اللبناني الواحد.

خلاصة القول إننا مقبلون على مواجهة سياسية شرسة في الداخل سيكون عنوانها المقايضة بين مجموعة ملفات، وستدفع السطح السياسي للتحرك بناءً على حركتها.

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

 

Follow Us: 

 

Leave A Reply