كتب الدكتور: عبّاس حيدر
* لسنا أمّةً فقيرة حتى نبحث عن أعذار لفشلنا، ولسنا أمّةً صغيرة حتى نقنع أنفسنا بأنّنا عاجزون عن صناعة مستقبلنا. إنّما نحن أمّة تملك من عناصر القوّة ما يجعلها، لو أحسنت توظيفها، واحدة من أكثر القوى تأثيرًا في العالم.
العالم اليوم لا تحكمه المبادئ المجرّدة، بل تحكمه المصالح. وهذه ليست دعوة إلى التخلّي عن القيم، بل إلى حماية القيم بالقوّة. فالقانون الدولي نفسه لا يجد من يدافع عنه إلا إذا استند إلى إرادة سياسية وقوّة اقتصادية وتحالفات متينة.
ومن هنا، فإنّ أكبر خطأ ارتكبه العرب هو أنّهم سمحوا لخلافاتهم أن تصبح أقوى من مصالحهم المشتركة.
كيف لأمّة تمتلك أكبر احتياطي للطّاقة في العالم، وتتحكّم بأهم الممرّات البحرية، وتقع في قلب ثلاث قارّات، وتتحدث لغة واحدة، ويجمعها تاريخ وحضارة وثقافة، أن تتحوّل إلى كتل سياسية متناحرة، بينما تنجح تكتّلات أخرى في توحيد مصالحها رغم اختلاف لغاتها وأعراقها وأديانها؟
إنّ السّؤال الحقيقي ليس: لماذا أصبحت إسرائيل لاعبًا مؤثّرًا في المنطقة؟
بل السّؤال هو: لماذا فشل العرب في أن يكونوا القوّة الطبيعية التي تؤهّلهم إليها إمكاناتهم؟
ليست إسرائيل وحدها من يصنع المعادلات، بل نحن أيضًا نصنعها حين نتنازل عن أوراق قوّتنا، ونحوّل ثرواتنا إلى أدوات استهلاك بدل أن نجعلها أدوات نفوذ، وحين نستورد التكنولوجيا بدل أن ننتجها، ونستهلك المعرفة بدل أن نصنعها، ونختلف على التّفاصيل بينما تتبدّل خرائط العالم من حولنا.
لقد كان الإمام موسى الصدر من أوائل الذين أدركوا أنّ قوّة لبنان لا تنفصل عن قوّة محيطه العربي، وأنّ كرامة العرب لا تُصان إلا إذا امتلكوا قرارهم المستقل وإرادتهم المشتركة. لذلك لم يحصر حركته في لبنان، بل جاب عواصم عربية وإسلامية وإفريقية، والتقى قادةً ومسؤولين ومفكّرين، داعيًا إلى جمع الكلمة، وإزالة أسباب الانقسام، وبناء شبكة تضامن سياسي واقتصادي وثقافي تحفظ للعرب مكانتهم وللقضايا العادلة، وفي مقدمتها فلسطين، حضورها في وجدان الأمّة وسياساتها. كان يؤمن بأنّ الأمّة التي تتفرّق إراداتها، تتفرّق قوّتها، وأنّ الحوار بين الأشقّاء ليس ترفًا سياسيًّا، بل شرطٌ لبقاء الأمّة فاعلة في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.
ولم يكن الإمام الصدر يدعو إلى وحدة عاطفيّة أو شعاراتيّة، بل إلى مشروع عربي يقوم على التّكامل الاقتصادي، واحترام سيادة الدّول، وتنسيق المواقف، واستثمار الثروات في بناء الإنسان والعلم والمؤسّسات. وكان يرى أنّ النّفط لا ينبغي أن يكون مجرّد سلعة تُباع، بل ورقة قوّة تُستثمر في تحقيق التنمية والاستقلال والنّهضة.
إنّ الأمم التي تحترم نفسها لا تجعل قرارها مرهونًا بعاصمة واحدة، ولا تربط مستقبلها بتحالف واحد. إنّها تنفتح على الجميع، شرقًا وغربًا، وفق معيار واحد: المصلحة الوطنية والقوميّة. فالسّياسة النّاجحة ليست سياسة المحاور، بل سياسة التّوازن، والاستقلال، وتعدّد الشراكات.
لقد آن الأوان لأن يتوقّف العرب عن البكاء على أمجاد الماضي، وأن يبدأوا بصناعة أمجاد المستقبل. فالأندلس، وبغداد، ودمشق، والقاهرة، والقيروان لم تصبح مراكز حضارة لأنّها امتلكت المال فقط، بل لأنّها امتلكت العقل، والحرية، والعلم، والإرادة.
أمّا أخطر ما يهدّد الأمّة اليوم، فليس التفوّق العسكري لخصومها، بل انتشار ثقافة اليأس والاستسلام. حين يقتنع العربيّ بأنّ لا جدوى من النّهوض، يكون قد منح خصومه أكبر انتصار دون أن يطلقوا رصاصة واحدة.
إنّ الهزيمة تبدأ في العقل قبل أن تقع على الأرض. فلننظر إلى أنفسنا بشجاعة. ولنسأل: لماذا لا يتحوّل النّفط إلى مشروع نهضة؟ ولماذا لا تتحوّل الثروة إلى جامعات ومراكز أبحاث وصناعات متقدّمة؟ ولماذا تبقى السّوق العربية مجزّأة، فيما تتسابق التّكتّلات الاقتصادية الكبرى إلى الاندماج والتّكامل؟
العرب لا يحتاجون إلى معجزة، بل إلى إرادة سياسية، وإدارة رشيدة، ومشروع حضاري يعيد الاعتبار للإنسان العربي، ويحرّر قراره، ويستثمر ثرواته، ويبني قوّة تحمي السّلام ولا تبحث عن الحروب.
لقد علّمنا الإمام موسى الصدر أنّ القوّة ليست نقيض السّلام، بل حارسته. وأنّ الوحدة ليست شعارًا يُرفع في الخطب، بل مسؤولية تُترجم في السياسات. وأنّ الأمّة التي تؤمن بنفسها تستطيع أن تستعيد مكانتها مهما طال زمن التّراجع.
فالعالم لن يمنحنا مكانًا على طاولة القرار لأنّنا أصحاب تاريخ عريق، بل لأنّنا نملك رؤية للمستقبل، ونُحسِن استخدام عناصر قوّتنا.
وإذا كان الماضي مصدر فخر، فإنّ المستقبل هو الامتحان الحقيقيّ. أمّا أخطر عدوّ يواجه العرب اليوم، فليس إسرائيل وحدها، ولا أيّ قوّة خارجية، بل شعورهم بالعجز، واستسلامهم لليأس، وفقدانهم الثّقة بأنفسهم. فمن يهزم اليأس، يبدأ طريق النّهضة، ومن يستعد ثقته بذاته، يستعيد حقّه في صناعة التاريخ.
الخميس في 30/7/2026

