أرباح فوق الرّكام
من يربح في الحرب؟
في الحروب، لا يربح الناس العاديون غالبًا. الذين يدفعون الثّمن هم أولئك الذين كانوا يريدون فقط حياةً بسيطة: بيتًا آمنًا، مدرسةً لأطفالهم، ومستقبلًا أقل خوفًا. أمّا الرابحون الحقيقيون، فكثيرًا ما يختبئون بعيدًا عن خطوط النار.
*الإعلاميّ* قد يربح حين يبيع الرواية لا الحقيقة، وحين يتحوّل الوجع الإنساني إلى مادةٍ للتّهويل أو التّبرير أو صناعة الاصطفافات. بعض المنابر لا تنقل الواقع كما هو، بل كما تريده القوى المتصارعة، فتُصبح الكلمة أداة تعبئة بدل أن تكون مساحة وعي ومسؤوليّة.
*والحرامي* يربح أيضًا… يربح حين تتحوّل الفوضى إلى فرصة، فيسرق أرزاق النّاس، ويحتكر الطّعام والدّواء والمحروقات، ويستثمر في خوف المجتمع وانهياره. ففي أزمنة الأزمات، يظهر تجّار الدّم كما يظهر تجّار السّوق السّوداء، وكلاهما يتغذّى على تعب النّاس وعجزهم.
*والمسؤول* قد يربح حين ينجو من المحاسبة، أو حين يحوّل الكارثة إلى منصّة نفوذ جديدة، أو حين يطلب من النّاس التّضحية فيما يبقى هو بعيدًا عن الخسارة الحقيقيّة. كثيرون يتحدّثون باسم الوطن، لكنّ الوطن الحقيقي هو النّاس، لا الشّعارات ولا المقاعد ولا المصالح.
*حتّى تجّار السّياسة قد يربحون أحيانًا؛* ترتفع أسهمهم في الانقسام، ويكبر حضورهم كلّما خاف النّاس أكثر. فالخوف بيئة خصبة للسّيطرة، والوعي الحرّ غالبًا ما يُزعج من يريد جمهورًا يصفّق بدل أن يسأل.
وفي المقابل، هناك من يخسر كل شيء:
الأم التي تنتظر ابنها،
الطّفل الذي خسر لعبته،
الطّالب الذي انقطع عن حلمه،
العامل الذي فقد مصدر رزقه،
والإنسان الذي صار يحمل وطنه في حقيبة نزوح.
لهذا، فإنّ أخطر ما تفعله الحروب ليس فقط الدّمار الظّاهر، بل اعتياد النّاس على هذا الخراب، حتّى يصبح الألم تفصيلًا يوميًّا، ويصبح السّؤال عن الحقيقة نوعًا من التمرّد.
إنّ الوعي اليوم ليس ترفًا فكريًّا، بل ضرورة أخلاقيّة ووطنيّة. لأنّ الشّعوب التي لا تسأل، قد تجد نفسها تدفع أثمان قرارات لم تشارك يومًا في صنعها.
وفي النهاية، ربّما يربح البعض مالًا أو نفوذًا أو صورةً إعلاميّة… لكن حين يُهزم الإنسان، ويضيع الأمان، ويتحوّل الوطن إلى ساحة تعبٍ دائم، لا يمكن الحديث عن انتصارٍ حقيقيّ.
الدكتور: عبّاس حيدر
الثلاثاء في 12/5/2026

