تجاهلت حكومة نواف سلام قرار وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي بسحب اعتماد السفير الإيراني في لبنان، محمد رضا شيباني، فلم يُدرج القرار على جدول أعمال جلستها في السراي أمس، ولم يُطرح من خارجه، تاركة تداعياته السياسية والشعبية تتفاعل من دون احتواء.
ظهر الوزير رجي منتشيًا كالطاووس بقراره أمام وسائل الإعلام، بعد أن نال مباركة رئيس حزبه، سمير جعجع، بعد نحو نصف ساعة فقط من إصداره.
وبين هذا القرار وشارع لبناني منقسم، تتفاقم الأزمة وآثارها السلبية في وقت يحتاج فيه اللبنانيون إلى الحد الأدنى من التضامن لمواجهة العدوان الإسرائيلي وانعكاساته الاجتماعية والانسانية الكارثية.
بات معلوماً، أنه وفق الأصول القانونية، لا يستطيع وزير الخارجية اتخاذ قرار بحق سفير أي دولة من دون موافقة مجلس الوزراء مجتمعًا، باعتباره الجهة المخوّلة اتخاذ القرار السياسي، في حين تبقى موافقة رئيس الجمهورية أساسية، إذ من صلاحياته قبول أوراق اعتماد أي سفير تعينه بلاده رئيسًا لبعثتها الدبلوماسية في لبنان.
عدم مناقشة القرار على طاولة مجلس الوزراء يطرح عدة دلالات:
أولاً: ضعف الحكومة مجتمعة، مما يجعلها عاجزة عن حسم الموقف سواء بالموافقة على القرار أو رفضه.
ثانيًا: ظهور رئيس الحكومة نواف سلام إمّا عاجزًا عن مواجهة القرار، أو متخوّفًا من تداعياته التفجيرية داخل المجلس بسبب تضامن وزراء القوات اللبنانية مع زميلهم، أو ربما مؤيدًا له ضمنًا من دون الإعلان صراحة.
ثالثًا: لامبالاة الحكومة تجاه الانقسام الحاد الذي أفرزه القرار وما رافقه من مواقف عالية السقف وتهديدات قد تنعكس سلبًا على السلم الأهلي.
رابعًا: تجاهل الحكومة لمقاطعة وزراء الثنائي الشيعي، حزب الله وحركة أمل، احتجاجًا على قرار طرد السفير الإيراني، في ظل محاولات بعض الوزراء صبّ الزيت على نار الخلافات المتفاقمة.
ولمحاولة تغطية تداعيات القرار الفتنوي تحت مظلة العدوان الإسرائيلي، خرج رئيس الحكومة عن صمته بعد خمسة وعشرين يومًا من العدوان، الذي اقتصر دوره خلاله على أعمال الإغاثة فقط، ليعلن أن “أفعال إسرائيل وتصريحاتها تهدّد سيادة لبنان، وأن تدميرها للجسور يشكّل انتهاكًا للقانون الدولي”، كما كلف وزير الخارجية تقديم شكوى إلى مجلس الأمن ضد إسرائيل.
اللافت أن رئيس الحكومة، منذ بداية العدوان، لم يبادر إلى موقف حاسم، فبدلاً من إدانة إسرائيل مباشرة، وجّه إدانات إلى المقاومة واعتبرها خارجة عن القانون، وسارع إلى تحييد الجيش عن المواجهة وتكليفه مواجهة المقاومين، واضعًا السلم الأهلي على المحك.
كما حرص في معظم تصريحاته على تجهيل المعتدي الصهيوني والتنصل من الحرب، ولم يسعَ إلى تقديم أو طلب تقديم شكوى رسمية ضد إسرائيل، وقد دفع ذلك فرنسا، “الأم الحنون”، إلى المبادرة والدعوة لانعقاد مجلس الأمن لبحث العدوان الإسرائيلي على لبنان، في جلسة لم يُكلف رئيس الحكومة أو وزير الخارجية نفسيّهما المشاركة فيها لإعطاء الزخم اللازم، لتترك المهمة لممثل لبنان لدى المجلس في إجراء بدا شكليًا ولزوم ما لا يلزم.
كل ذلك يشير إلى أن الحكومة، التي لا تستطيع حسم قضية دبلوماسية خلافية، غير مؤهلة لمواجهة الأزمات، ولا سيما الحفاظ على السيادة ومواجهة عدوان إسرائيلي مفتوح، خصوصا أن موقفها منه ما يزال ملتبساً في ظل تنازلات بلغت حدها الأقصى أمام العدو.
غسان ريفي – سفير الشمال

