لا يقتصر الخطر الذي يحيط بلبنان اليوم على الاعتداءات الإسرائيلية أو الضغوط السياسية الخارجية، بل يتجاوزها إلى محاولات ضرب الاستقرار الداخلي عبر إشعال الفتنة.
مع اتساع رقعة العدوان الصهيوني واستهدافه مناطق متعددة من الأراضي اللبنانية، تظهر الكثير من المؤشرات على سعيٍ ممنهج لنقل المواجهة من الحدود إلى الداخل، حيث يصبح الانقسام الداخلي الهدف الأساس الذي يصب في مصلحة العدو.
لم يعد خافياً على أحد أن إسرائيل، التي عجزت تاريخياً عن حسم صراعاتها مع لبنان بالقوة العسكرية وحدها، تراهن مجدداً على تفكيك الجبهة الداخلية، عبر الفتنة، التي تحقق لها ثلاثة أهداف متلازمة، لجهة:
أولاً: إرباك المقاومة ودفعها إلى الانشغال بالساحة الداخلية.
ثانياً: تهيئة الظروف السياسية والأمنية لتوسيع الاحتلال وفرض وقائع ميدانية جديدة تحت عنوان “المنطقة العازلة” التي أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس العمل على فرضها ومنع أبناء الجنوب من العودة إليها.
ثالثاً: دخول العامل الإسرائيلي إلى المعادلة اللبنانية عبر دعم الانقسامات وتعميق الاصطفافات السياسية والطائفية.
في هذا السياق، يبدو واضحاً أن الأجواء الإيجابية التي أعقبت اللقاء بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري أمس الأول، والتي أوحت بإمكانية تخفيف الاحتقان الداخلي، لم تلبث أن تعرضت لمحاولات تعطيل سريعة، إذ سرعان ما عادت السجالات السياسية إلى الواجهة عبر قرارات ومواقف أعادت تعزيز الانقسام، ودفعت النقاش الوطني من مواجهة العدوان إلى نزاعات داخلية حول الاصطفافات والمحاور.
وفي هذا الإطار شكل قرار وزير الخارجية “القواتي” يوسف رجي المتعلق بسحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني في لبنان محمد رضا شيباني نموذجاً واضحاً لكيفية تحويل ملف دبلوماسي إلى مادة صدام داخلي. فبدلاً من التعامل معه ضمن الأطر المؤسساتية الهادئة، جرى توظيفه سياسياً وإعلامياً بطريقة عمّقت الانقسام.
وجاء كلام رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع لإحدى القنوات التلفزيونية حول تنسيق هذا القرار مع الرئيس جوزيف عون ليحمل رئاسة الجمهورية تبعات اصطفاف سياسي، الأمر الذي يهدد موقع الرئاسة كمساحة توازن وحَكَم بين اللبنانيين.
ولم تقف المظاهر الفتنوية عند حدود السياسة الرسمية، بل امتدت إلى الشارع، حيث برزت حملات تحريض ضد النازحين في بعض المناطق ذات الأغلبية المسيحية.
وجاء ذلك بعد سقوط شظايا صاروخ أميركي اعتراضي في مناطق كسروان للمرة الأولى منذ بداية العدوان الاسرائيلي، حيث سارعت وسائل إعلام إلى تبني رواية أن صاروخا إيرانيا كان في طريقه لاستهداف السفارة الأميركية في عوكر وقد اعترضه صاروخ أميركي أطلق من قاعدة حامات، ليتبين بعد سلسلة توضيحات ومنها أميركية عدم صحة هذه المعلومات، ورغم ذلك إستمر الاستثمار بها، ما انعكس هجومًا عنيفًا من بعض الناشطين الحزبيين على النازحين في تلك المناطق كاد أن يخرج عن السيطرة لولا تدخل الجيش اللبناني.
لا شك في أن استمرار استهداف النازحين أو تحميلهم مسؤولية القصف الإسرائيلي، من شأنه أن يضع البلاد على فوهة بركان، كونه يضرب عناصر التضامن الوطني في زمن الأزمات، خصوصا أن النازحين الهاربين من القصف الإسرائيلي الذي قضى على كل مقدراتهم ليسوا طرفا في الصراع السياسي الداخلي بل هم ضحية مباشرة للعدوان الصهيوني الساعي إلى تفكيك المجتمع اللبناني كونه يتناقض بتنوعه وعيشه المشترك مع عنصريته، وبالتالي فإن أي تعاطي طائفي أو مناطقي مع النازحين يشكل عن قصد أو غير قصد خدمة للعدو.
وبالتزامن وفي ظل الاحتقان الذي بلغ ذروته، تم تسريب أخبار عن مذكرات توقيف أو إجراءات قضائية بحق شخصيات شيعية دينية وحزبية، ما يطرح تساؤلات جدية حول توقيت هذه التسريبات وأثرها المحتمل في رفع منسوب التوتر، خصوصاً في بلد يقوم أساساً على توازنات دقيقة وهشّة.
بات معلوما أن لبنان، بحكم تركيبته السياسية والطائفية والمناطقية، يبقى شديد التأثر بأي حدث أو أي خطاب تحريضي، ما قد يعرضه لفتنة، تقول الأحاديث إنها “نائمة، ولعن الله من يوقظها”.
ورفض هذه الفتنة في ظل هذه الظروف الدقيقة ليس موقفًا أخلاقيًا فحسب، بل خيارًا سياديًا بامتياز، فالسيادة تبدأ وتنتهي عند الحفاظ على أمن لبنان وإستقراره وعيشه الواحد، ولم تكن يوماً وفي أي ظرف خضوعًا لإملاءات خارجية أو إستقواءً بعدو تاريخي وجودي على أي من مكونات هذا الوطن.
غسان ريفي – سفير الشمال

