إنعكاسات التهدئة الإيرانية على لبنان والإقليم..

تراجع احتمالات توجيه ضربة عسكرية أميركية لإيران لا يمكن فصله عن الحراك الديبلوماسي الهادئ الذي قادته السعودية ومعها قطر وسلطنة عُمان، والذي نجح في فتح نافذة تهدئة بين واشنطن وطهران بعد أسابيع من التصعيد الحاد والتهديدات المتبادلة. هذا التحرك الخليجي لم يكن تفصيلاً عابراً، بل شكّل عاملاً حاسماً في كبح اندفاعة المواجهة، وإقناع الإدارة الأميركية بأن الخيار العسكري، رغم حضوره في الخطاب السياسي، ينطوي على مخاطر استراتيجية يصعب التحكم بتداعياتها.

أهمية هذه الجهود تكمن في إعادة الاعتبار للخيار الديبلوماسي في لحظة بدت فيها المنطقة على شفير انفجار واسع. فالرياض والدوحة ومسقط قرأت بدقة حساسية المشهد، ونجحت في نقل رسائل متبادلة فتحت الباب أمام تهدئة مشروطة، عنوانها وقف العنف الداخلي ومنح المفاوضات فرصة جديدة. وقد ساهم تعهد طهران بعدم اللجوء إلى الإعدامات في التعامل مع المتظاهرين، والإعلان عن استعدادها لإطلاق إصلاحات عاجلة، في توفير أرضية أولية لاختبار هذا المسار.

في واشنطن، ترافقت هذه التطورات مع إدراك متزايد بأن إسقاط النظام الإيراني، إن طُرح كخيار، يفتقر إلى تصور واقعي لمرحلة ما بعده. فالتجارب الإقليمية أثبتت أن إسقاط الأنظمة لا يوازي تلقائياً إنتاج الاستقرار، بل غالباً ما يفتح أبواب الفوضى والصراعات المفتوحة. وفي الحالة الإيرانية، تبدو المخاطر أكبر، في ظل غياب بديل منظم، وتعقيد البنية الداخلية للنظام، وتشابك امتداداته الإقليمية.

أما انعكاسات التهدئة على لبنان والإقليم، فهي لا تقل أهمية عن بُعدها الإيراني المباشر. فخفض التوتر بين واشنطن وطهران ينعكس تلقائياً على ساحات الاشتباك غير المباشر، وفي مقدمتها لبنان، حيث يدفع أي تصعيد إقليمي إلى زيادة الضغوط الأمنية والسياسية، ويؤخر فرص الاستقرار وإعادة الإعمار. التهدئة تمنح لبنان هامشاً إضافياً لتثبيت الاستقرار الهش، وتخفيف منسوب التوتر على حدوده الجنوبية، وتفادي استخدامه مجدداً كساحة رسائل متبادلة.

إقليمياً، يساهم هذا المسار في كبح اندفاعة المواجهة في الخليج والعراق وسوريا واليمن، ويعيد فتح قنوات التواصل التي أغلقت تحت وطأة التصعيد. كما يعزز دور العواصم الخليجية كضامن إقليمي للاستقرار، لا كطرف في النزاعات، ويمنح الديبلوماسية العربية مساحة أوسع للتأثير في الملفات الشائكة.

غير أن هذه التهدئة تبقى هشة ومشروطة. فنجاحها مرهون بجدية طهران في ترجمة تعهداتها، وباستعداد واشنطن لمنح المسار الديبلوماسي الوقت الكافي قبل العودة إلى خيارات أكثر خطورة. وبين الحذر والأمل، تبدو المنطقة أمام فرصة نادرة لالتقاط الأنفاس، شرط عدم إهدارها مجدداً.

 صلاح سلام – اللواء

Leave A Reply