أكتب إليك – أمل كردي

أكتب إليك من الجنوب لا من جهةٍ على الخريطة بل من فكرةٍ تتعرض للاغتياال كل يوم

أكتب إليك من أرضٍ لم تعد تخاف الموت بقدر ما تخاف الاعتياد عليه

من أرضٍ صارت تستيقظ كل صباح لتتأكد أنها ما زالت موجودة وأن القرى التي نامت عليها البارحة لم تتحول أثناء الليل إلى أسماء مؤجلة على لوائح النسيان

أكتب إليك من أرضٍ قررت أن تبقى واقفة ولو انحنت الأشجار من شدة الريح ومن بيتٍ ما زال يفتح نوافذه كل صباح على احتمال الخطر كما يفتحها على نور الشمس

أكتب إليك من الجنوب الذي تعرفه أكثر منا وتحفظ دروبه وحجارته وأسماء قراه كما يحفظ الأب أسماء أبنائه. من الجنوب الذي لم يكن يومًا مجرد بقعة جغرافية في وجدانك، بل قضية عمر ووصية شههداء، وحكاية انتماء لا تشبه أي انتماء

هنا يا دولة الرئيس لم تعد الحررب تقص.ف البيوت فقط،

 بل تقص.ف المعنى

تستهدف العلاقة القديمة بين الإنسان وشجرته بين الطفل وطريق مدرسته بين الأم ونافذتها بين الشيخ والمقعد الحجري الذي قضى عليه عمرًا كاملًا يراقب منه الفصول وهي تتعاقب على حقله

إنهم لا يهدمون جدارًا، بل يهدمون الذاكرة

ولا يحرقون شجرة بل يحرقون ظلًا كان ينتظر صاحبه كل ظهيرة

ولا يقتلون إنسانًا بل يقتلون نسخة كاملة من الحكايات التي كانت تسكن فيه

هنا جنوبنا الذي يرونه مجرد خبر عاجل على شريط الأخبار

أما نحن فنراه وطنًا كاملًا يسيل من بين أيدينا قطرة قطرة

نعيش أيامنا على حافة الانتظار نزرع الخوف في صدورنا صباحًا ونحاول اقتلاعه مساءً نحصي الطاائرات أكثر مما نحصي ساعات النهار. نقرأ الأخبار بقلوبنا لا بعيوننا ونفتش في كل تصريح عن نافذة نجاة وعن كلمة تطمئن الأمهات اللواتي بتن يخفن على أولادهن حتى من أصوات الأبواب حين تُغلق فجأة

الجنوب اليوم ليس ساحة حررب

الجنوب غرفة قلبٍ مفتوحة على مشرط العالم كله

وكلما ظننا أن النزف بلغ حدّه الأقصى اكتشفنا أن للقلب قدرةً أخرى على النزف

دولة الرئيس

أعرف أنك لا تنظر إلى الجنوب كما ينظر السياسيون إلى المناطق

أنت تنظر إليه كما ينظر الابن إلى صورة أمه بعد طول غياب

نعرف أنك معلق بالجنوب أكثر منا نعرف كم حملت همّه في سنوات الحرمان وكم قااتلت بالفعل حين كان الآخرون يقاتلون بالشعارات نعرف كم من طريق فُتحت وكم من مدرسة أُنقذت وكم من مستشفى بقي قائمًا وكم من قرية استعادت بعض حقها بالحياة لأنك آمنت أن الإنماء مقاوومة، وأن كرامة الناس لا تقل قداسة عن الأرض

نعرف أنك في كل أزمة كنت تفتش عن مخرج قبل أن يكتمل جدارها وأنك كنت تطفئ الحرائق السياسية كما يطفئ الأب نارًا اقتربت من غرفة أطفاله

ولهذا أخاطب فيك ذلك الجزء الذي كلما ذُكر الجنوب انتفض في روحه شيء لا علاقة له بالسياسة

أخاطب فيك الطفل العاملي الذي كبر،على هم الجنوب

أخاطب فيك الرجل الذي لم يحمل الجنوب على كتفيه كعبء، بل حمله في قلبه كأمانة

نعرف ماذا فعلت لهذه الأرض

نعرف كم من مرةٍ أعدت الحياة إلى قرية كانت تقف على أطراف النسيان

وكم من مرةٍ أقمت جسورًا بين الناس واليأس قبل أن يسقطوا في هوته

ونعرف أن الإنماء بالنسبة إليك لم يكن مشروعًا إداريًا بل محاولة دائمة لإقناع هذه الأرض أن الدولة لم تنسها

دولة الرئيس

هنا في الجنوب لم يعد الخوف يشبه الخوف الذي يعرفه الناس

صار كائنًا يقيم معنا

يجلس إلى موائدنا

ينام قرب أسرّتنا

ويرافق أولادنا إلى أحلامهم

نضحك أحيانًا لا لأننا مطمئنون بل لأن الإنسان إذا طال وقوفه على حافة الهاوية يبتكر الضحك كي لا يسقط

نمارس حياتنا كما يمارسها الذين يمشون فوق خيطٍ بين جبلين

نشتري الخبز وكأن الغد مضمون

نزرع الأرض وكأن الفصول بخير

ونعيش حياتنا وكأن السماء لا تعجّ بالموت

أي شعبٍ هذا الذي يصرّ على الحياة بهذه العناد؟

وأي أرضٍ هذه التي كلما حاولوا دفنها أنبتت أبناءها من جديد؟

نكتب إليك لأن الجنوب متعب يا دولة الرئيس

متعب من الانتظار ومن الخوف ومن الغياب الطويل للحلول.

متعب من أن يكون دائمًا ساحة امتحان وصندوق بريد للرسائل الإقليمية والدولية

متعب من أن يدفع أثمانًا لا يقررها

ها هو محرم يقترب وقلوبنا ترتجف من فكرة أن يستقبل أبناء الجنوب عاشوراء وهم بين خوفٍ وخوف وبين تهديد وتهديد وبين بيت مهدد وبيت مهجر

نريد أن نصل إلى محرم ونحن مجتمعون تحت راية الحسين لا تحت رايات النزوح

نريد أن تبقى المجالس عامرة بأهلها وأن تبقى القرى عامرة بأبنائها، وأن يبقى الجنوب جنوبًا لا ذكرى

دولة الرئيس

من هذه الأرض التي يحاولون تحويلها إلى رماد ما زلنا نتمسك بالحياة. ومن هذه الأرض التي يريدون اقتلاعها من روحها ما زلنا نتمسك بالأمل

متكلون على الله أولًا ثم على حكمتك، وعلى حرصك وعلى ذلك القلب الذي لم يتعب يومًا من حمل الجنوب وأهله

فابحث لنا عن نافذة نجاة كما اعتدت دائمًا أن تفعل وابحث للجنوب عن فسحة أمان قبل أن يدخل محرم على قلوب أثقلها التعب

فمحرم ليس في مجرد مناسبة دينية

بل ذاكرةٌ جماعية تمشي على قدمين

كيف يدخل محرم إلى قرانا إذا كانت القرى نفسها معلقة بين البقاء والرحيل؟

كيف تُرفع الرايات إذا كانت القلوب منشغلة بعدّ الطائرات؟

كيف نجتمع في خيمة الحسين فيما الجنوب كله مهدد بأن يتحول إلى خيمةٍ من القلق؟

لهذا أكتب إليك

لا بصفة مواطنة فقط

ولا بصفة جنوبية فقط

بل بصفة ابنةٍ لهذه الأرض التي تتكئ عليك كما يتكئ التعب على كتف أبيه

أكتب إليك لأننا نعرف أن الله وحده يصنع الأقدار لكننا نعرف أيضًا أن الله يضع في بعض الرجال قدرةً استثنائية على حماية الناس من قسوة الأقدار

فابحث للجنوب عن نافذةٍ قبل أن يختنق

وابحث له عن كلمة توقف هذا الانحدار نحو المجهول.

وابحث له عن فرصة حياة

أما نحن

فما زلنا هنا

كأشجار الزيتون

نتلقى العواصف بصمتٍ النبلاء

وننحني قليلًا كي لا ننكسر

وننتظر

ننتظر الله

ومن بعد الله ننتظر أن يعود الجنوب إلى نفسه

أن يعود الحنوب على يديك

Leave A Reply