لم تتأخّر القوى الداخلية في «لبننة» الحدث الفنزويلي وزجّه في جدول أعمال نزاعاتها، فاندلع اشتباك سياسي لبناني في شوارع كاراكاس، على رغم من بُعد المسافة الجغرافية، في مؤشر إضافي إلى قابلية لبنان الكبيرة على التأثر بأي عوامل خارجية، حتى لو كان منشأها يعود إلى خلف البحار والمحيطات.
صحيحٌ أنّ فنزويلا تبعُد آلاف الأميال عن لبنان، لكنّ ذلك لم يكن كافياً لتحييده عن الهزّات الإرتدادية للزلزال الذي أصاب إحدى دول أميركا اللاتينية على وقع الهجوم الأميركي الذي استهدف كاراكاس.
قبل أن يصل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مقيّداً إلى الولايات المتحدة بعد اختطافه وزوجته من القصر الرئاسي، كان اللبنانيّون قد انخرطوا بكل جوارحهم وقواهم في المواجهة التي تدور على المقلب الآخر من الكرة الأرضية، حتى كادت كاراكاس تبدو إحدى الحواضر اللبنانية، وخطّ تماس «مستورداً» بين الشياح وعين الرمانة.
على الفور، توزّعت الشرائح اللبنانية بين داعم للهجوم الأميركي على فنزويلا وبين مُندِّد به، في امتداد لسياق الإصطفافات السياسية المعروفة، وتحوّلت مواقع التواصل الإجتماعي جبهات مشتعلة ومسرحاً لمعارك افتراضية، تُستخدم فيها كل أنواع الأسلحة الثقيلة، ومن بينها تلك المحرّمة أخلاقياً.
وبعدما كان بعض معارضي «حزب الله» قد تلقّوا ضربة قوية مع انفجار فضيحة الأمير الوهمي «أبو عمر» وانكشاف علاقته بعدد من السياسيِّين المصنِّفين أنفسهم «سياديِّين»، الأمر الذي نسف صدقيّتهم… وبعدما انطوى الخلاف المستجد بين السعودية والإمارات حول توزيع الأدوار في اليمن على حَرَج كبير لأصدقائهما في لبنان، وجد المتضرّرون من هاتَين الواقعتَين وهم من خصوم الحزب، في سقوط مادورو الذي هو أحد رموز الخط المعادي للولايات المتحدة، فرصة لصرف الأنظار عن مشكلاتهم و«التنمّر» على محور الممانعة مجتمعاً.
وهكذا، تعامل الفريق المناهض لـ«الحزب» مع اعتقال الأميركيِّين لمادورو على أساس أنّه استكمال للضربات التي تعرّض لها محور الممانعة خلال الفترات الأخيرة، ساعياً إلى صرف هذا التطوّر الدولي في السوق اللبنانية، وتحديداً في المواجهة مع «الحزب» وإيران.
بناءً عليه، يَفترض هذا الفريق أنّ نهاية مادورو أفقدت «حزب الله» حليفاً في الساحة الدولية، عقب خسارته بشار الأسد في الساحة الإقليمية، ما يساهم في شدّ الخناق عليه وقضم مزيد من عمقه الحيوي، وفق رأي المبتهجين بالضربة الأميركية.
أكثر من ذلك، يعتبر هؤلاء أنّ ما فعله الرئيس دونالد ترامب في فنزويلا هو «إنذار» شديد اللهجة لأصدقائها وحلفائها في المنطقة، بأنّهم سيلقَون المصير نفسه إذا استمرّوا في معاندة واشنطن ورفض عروضها، وأنّ من الأفضل لهم التسليم بقدرتها وقدرها إن أرادوا تفادي الأسوأ.
بهذا المعنى، فإنّ فنزويلا البعيدة اقتحمت أدبيات النزاع اللبناني من باب الاصطفافات الحادّة، وحجزت مكاناً لها في قاموس السجالات السياسية، وبالتالي تمّ إلحاق مادورو، ولو من سجنه الأميركي، بدهاليز اللعبة الداخلية وتجاذباتها، فيما ذهبت الحماسة ببعض أنصار واشنطن إلى درجة توصيف ترامب بـ«الرفيق» إعجاباً بفيلمه الهوليوودي وأملاً في أن يكون له جزء ثانٍ في المنطقة.
في اختصار، إنّها ثقافة الإستقواء بالخارج والتعويل عليه لتغيير المعادلات، على رغم من أنّ كل التجارب السابقة أثبتت عدم جدوى هذه المغامرة المتكرِّرة، وأكّدت حتمية العودة في نهاية المطاف إلى التوازنات الوطنية، التي مهما اهتزّت أو اختلّت نتيجة الرياح الخارجية، تبقى ممراً إلزامياً نحو أي استقرار.
عماد مرمل – الجمهورية

