يعيش لبنان في هذه الآونة مرحلة شديدة الخطورة، مع تداول تقديرات سياسية وأمنية تفيد بأن إسرائيل تدرس بجديّة خيار شنّ هجوم عسكري واسع على لبنان، في ظل ما يُوصف بموافقة أو تفهّم أميركي لهذا المسار.
هذا التطور لا يمكن فصله عن التحوّلات الإقليمية المتسارعة، ولا عن المشهد السياسي في تل أبيب وواشنطن، حيث تتقاطع الحسابات الأمنية مع الأجندات الداخلية والرسائل الإقليمية، ففي إسرائيل، لم يعد النقاش محصوراً وفق ما تتناوله وسائل الإعلام في تل أبيب بضربات موضعية أو عمليات محدودة، بل بات يتناول سيناريوهات أوسع تستهدف إحداث واقع الحال المستمر منذ عقدين من الزمن أي منذ حرب تموز من العام 2006، حيث ان المؤسسة العسكرية ترى أن الوضع القائم لم يعد قابلاً للاستمرار، وأن بقاء الجبهة الشمالية على ما هي عليه اليوم يفرض الانتقال إلى مرحلة أكثر حسماً، سواء عبر توسيع نطاق العمليات أو فرض وقائع ميدانية جديدة. هذا الطرح يجد دعماً داخل أوساط سياسية تعتبر أن أي تردد إضافي سيُفسَّر ضعفاً، وقد يفتح الباب أمام مفاجآت أمنية غير محسوبة.
لكن هذا التوجه لا يتحرك في فراغ. العامل الأميركي حاضر بقوة، ليس فقط من خلال الدعم السياسي والعسكري التقليدي لإسرائيل، بل أيضاً عبر الإشارات الصادرة عن الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب. فواشنطن، العائدة بقوة إلى لغة الحسم، تبدو أقلّ ميلاً إلى إدارة الأزمات وأكثر استعداداً لمنح حلفائها هامش حركة أوسع، شرط ألا يؤدي ذلك إلى حرب إقليمية شاملة تخرج عن السيطرة.
في هذا السياق، اكتسب اللقاء الأخير بين الرئيس ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أهمية استثنائية، هذا اللقاء، الذي وُصف بالمفصلي، لم يكن بروتوكولياً ولا شكلياً، بل شكّل محطة لإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية. ناقش الطرفان وفق ما أعلنت عنه وسائل إعلامية أميركية وإسرائيلية على حد سواء، ملفات إقليمية مترابطة، من غزة إلى إيران، مروراً بالجبهة مع لبنان والتي طُرحت كإحدى أكثر الجبهات تعقيداً وخطورة. نتنياهو عرض رؤيته للأمن الإسرائيلي، مؤكداً أن التهديد شمالاً لم يعد محتملاً بل قائماً، حيث ان الحكومة اللبنانية عاجزة عن نزع سلاح «حزب الله» وأن الوقت يعمل لمصلحة خصوم إسرائيل. في المقابل، أبدى ترامب تفهّماً للمخاوف الإسرائيلية، مشدّداً على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، من دون أن يغلق الباب أمام المسارات الدبلوماسية، حيث طلب إعطاء الحكومة اللبنانية فرصة إضافية.
هذا التفاهم غير المعلن فتح الباب أمام قراءات متعددة. في تل أبيب، فُسّر على أنه ضوء أصفر مائل إلى الأخضر، يسمح بالتحضير لخيارات عسكرية إذا استدعت الظروف. أما في بيروت، فيُنظر إليه بقلق بالغ، إذ تخشى الأوساط السياسية والأمنية أن تكون البلاد أمام مرحلة جديدة من الضغوط العسكرية، تُستخدم فيها القوة لفرض معادلات سياسية وأمنية، في ظل ضعف داخلي وانقسام سياسي حادّ.
ان لبنان، الغارق في أزماته الداخلية، يبدو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. أي حرب واسعة ستأتي في توقيت بالغ السوء، وستحمل كلفة مضاعفة على بلد لم يتعافَ بعد من صدماته المتراكمة. الجنوب قد يتحوّل مجدّداً إلى ساحة مفتوحة، فيما ستكون البنية التحتية والواقع الإنساني أولى ضحايا التصعيد..
في المقابل، يدرك صنّاع القرار في إسرائيل أن الحرب على لبنان ليست نزهة عسكرية، فالتجارب السابقة أثبتت أن أي مواجهة ستفرض أثماناً باهظة على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي. لذلك، فإن خيار الحرب الواسعة، وإن كان مطروحاً، يبقى مرتبطاً بتقدير دقيق للتوقيت والنتائج، وبمدى قدرة إسرائيل على إدارة مواجهة طويلة ومعقّدة.
ما بين التلويح بالحرب والسعي إلى تجنّبها، تقف المنطقة على حافة مرحلة مفصلية. الرسائل المتبادلة، واللقاءات السياسية، والاستعدادات العسكرية، كلها عناصر تشير إلى أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة. فإما أن تنجح الضغوط والوساطات في تثبيت قواعد اشتباك جديدة من دون انفجار شامل، وإما أن تنزلق الأمور نحو مواجهة واسعة قد تعيد خلط الأوراق في الشرق الأوسط برمّته.
والسؤال ليس ما إذا كانت إسرائيل تدرس خيار الحرب، بل متى وكيف، وما إذا كانت كلفة هذا الخيار ستبقى ضمن الحدود التي تراها مقبولة. أما لبنان، فيبقى عالقاً بين حسابات الآخرين، في انتظار ما ستقرره العواصم الكبرى، وما ستؤول إليه لعبة التوازنات الدقيقة على حافة النار.
حسين زلغوط – اللواء

