عماد ياغي-
لم تُقتل الطبقة الوسطى في لبنان برصاصة واحدة، بل أُعدمت ببطء، على مرأى من السلطة، وبمشاركة السلطة، وبصمت السلطة. لم تسقط في معركة، ولم تُهزم، بل جرى تجويفها، وعصرها، وإنهاكها، ثم تُركت تنزف حتى فقدت القدرة على الصراخ. هذه ليست قصة فقر فقط، بل قصة إذلال منظَّم، قصة طبقة كانت تُشكّل الحدّ الأدنى من الكرامة العامة، فصارت اليوم الحدّ الأعلى لما يُسمح للناس أن يحلموا به.
الطبقة الوسطى لم تكن طبقة رفاه. كانت طبقة التعب اليومي، والاستيقاظ المبكر، والعمل لساعات طويلة، والدفع مقابل كل شيء، وانتظار نهاية الشهر بقلق محسوب. كانت الطبقة التي صدّقت الكذبة اللبنانية الكبرى: أنّ الاجتهاد يكفي، وأنّ الشهادة تحمي، وأنّ الوظيفة تضمن، وأنّ الدولة، رغم فسادها، لن تترك أبناءها يسقطون إلى القاع. صدّقت لأنها لم تكن تملك ترف الشك. واليوم تُعاقَب لأنها صدّقت.
بالأرقام، الجريمة أوضح من أيّ خطاب. في عام 2010 كانت الطبقة الوسطى في لبنان تُقدَّر بما يقارب 55 إلى 60 في المئة من السكان، وفق تعريف الدخل والقدرة على الاستهلاك والحصول على الخدمات الأساسية. كانت أغلبية المجتمع، لا هامشه. بعد عام 2019 بدأ الانهيار يُترجم رقمياً: فبحلول عام 2021 تراجعت هذه النسبة إلى ما دون 40 في المئة، ومع تسارع التضخم وانهيار القدرة الشرائية، وغياب أيّ تصحيح فعلي للأجور، تشير تقديرات اقتصادية واجتماعية متقاطعة إلى أنّ الطبقة الوسطى الفعلية في لبنان عام 2025 لا تتجاوز 20 إلى 25 في المئة من السكان، فيما تضعها بعض الدراسات عند حدود 15 في المئة فقط. أيّ أنّ أكثر من نصف من كانوا يُصنَّفون ضمن الطبقة الوسطى قبل خمسة عشر عاماً انزلقوا إمّا إلى الفقر الصريح أو إلى الهشاشة القصوى. هذا ليس تقلّصاً طبيعياً في بنية المجتمع، بل انهيار عمودي وسقوط حرّ لطبقة كاملة، يُقاس لا بالأرقام فقط، بل بعدد الأحلام التي سُحقت، والوظائف التي فقدت معناها، والحياة التي صارت أغلى من القدرة على عيشها.
ما جرى ليس انهياراً اقتصادياً عفوياً، بل عملية سياسية كاملة الأركان، وجريمة مكتملة الأوصاف نُفِّذت بلا قفازات. حين انهارت الليرة، لم تُسحق الثروات الكبرى، بل سُحقت الرواتب. وحين جُمِّدت الودائع، لم يُعاقَب من هرّب الأموال، بل من وثق بالمصارف. وحين أُقِرّ الدعم، لم تُحمَ الفئات المنتجة، بل تُرك الناس يواجهون السوق كذئاب بلا أسنان. هكذا جرى تفريغ الطبقة الوسطى من كل ما يميّزها: الادخار، والأمان، والتخطيط، وحتى الغضب.
المسؤولية هنا ليست ضبابية ولا موزّعة على «الظروف». هناك منظومة محدّدة الأسماء والوظائف ارتكبت هذه الجريمة: سلطة سياسية شرعنت الانهيار ووفّرت له الغطاء، وحيتان المال التي لعبت دور الذراع التنفيذية في نهب الودائع وتجفيف الأجور، وسياسات نقدية حوّلت العملة إلى سلاح طبقي بيد القلّة. لم يكن ما جرى خطأ في التقدير، بل خياراً واعياً: حماية الرساميل على حساب الأجور، وتثبيت النفوذ على حساب المجتمع، وتمرير الانهيار على ظهور من لا يملكون وسيلة للهروب. هذه ليست «أزمة إدارة»، بل تحالف مصالح بين المال والسلطة، قرّر أنّ كلفة الإنقاذ يجب أن يدفعها من يعمل، لا من يسرق؛ من ينتج، لا من يهرّب؛ من يثق، لا من يخون.
الغضب نفسه جرى احتواؤه، لا بالقمع فقط، بل بالإرهاق. أُنهك الناس حتى لم يعودوا قادرين على الاعتراض. والاعتراض يحتاج وقتاً، وذهناً مرتاحاً نسبياً، وقدرة على التخطيط. أمّا من يحسب ثمن الخبز والدواء والمازوت بالدقيقة، فلا وقت لديه ليعترض. هكذا تحوّل الانهيار إلى أداة ضبط اجتماعي. الفقر لم يكن نتيجة الفشل، بل وسيلته.
السياسيون، بأغلبيتهم، يعرفون ذلك. يعرفون أنّ الطبقة الوسطى هي الأخطر حين تكون قوية، لأنها تسأل، وتحاسب، وتقارن، وترفض الزبائنية. لذلك كان لا بدّ من كسرها. الفقير أُلهي ببعض التقديمات الخارجية المدروسة، والغني محمي بثروته، أمّا المتوسط فكان إسقاطه ضرورة للنظام لا عارضاً.
لم يُعلَن موت الطبقة الوسطى رسمياً لأنّ الاعتراف بها يفرض مسؤولية. والسلطة في لبنان لا تعترف إلا بما يمكن استثماره. لا يوجد برنامج حكومي لإعادة بنائها، ولا خطة إنقاذ تستهدفها، ولا خطاب سياسي يذكرها إلا عرضاً. هي الفئة التي خرجت من كلّ الإحصاءات. ليست فقيرة بما يكفي لتُدرج في لوائح المساعدات، وليست غنيّة بما يكفي لتُحسب في معادلات النفوذ. هي اليتيمة السياسية في البلد الذي يتسكّع لينال فتاتاً من هنا وهناك.
الهجرة لم تكن خياراً، بل ردّ فعل طبيعي. من استطاع الرحيل، رحل. لم يحمل حقداً، بل تعباً. لم يشتم، بل صمت. هاجر لأنه أدرك أنّ البقاء لم يعد بطولة، بل انتحاراً بطيئاً. ومع كلّ مهاجر، تُنتزع قطعة من احتمالات النهوض، لا لأنّ المهاجرين أذكى، بل لأنّ من يبقى يُترك وحيداً في معركة خاسرة.
الطبقة الوسطى التي بقيَت، بقيَت لأنها عالقة. عالقة في ديون، وفي عائلات، وفي التزامات، وفي خوف من المجهول. تكيّفت لا لأنها قوية، بل لأنها لا تملك خياراً. باعت سيارتها، ثم أثاثها، ثم كرامتها المهنية. قبلت برواتب مهينة، وبأعمال دون كفاءتها، وبخدمات دون مستوى إنسانيتها. ومع كلّ تنازل، قيل لها: تحمّلي قليلاً بعد، فالفرج قريب. ولم يأتِ الفرج.
هذا ليس صبراً، بل استنزاف. وليس تكيّفاً، بل تطبيع مع الإذلال. والمجتمع الذي يعتاد الإذلال يفقد مناعته الأخلاقية. حين يصبح السؤال: كيف نعيش اليوم؟ بدل: لماذا نُذلّ؟ نكون قد خسرنا المعركة دون أن نعلنها.
الأخطر أنّ هذا الانهيار يُقدَّم كقدر، كأنّ ما جرى زلزال، أو وباء، أو عقاب سماوي. تُمحى السياسة من المشهد، ويُترك الناس في مواجهة المصير. لكن لا شيء طبيعي في أن يعمل الإنسان عمره كله ليصبح عاجزاً عن علاج نفسه. لا شيء طبيعي في أن يتحوّل التعليم من حق إلى عبء. ولا شيء طبيعي في أن يصبح الاستقرار حلماً.
الطبقة الوسطى ليست رقماً اقتصادياً، بل فكرة. فكرة أنّ هناك مساحة بين القاع والقمّة، بين الذل والامتياز. حين تُمحى هذه المساحة، يصبح المجتمع حاداً، وقاسياً، وقابلاً للانفجار أو للخضوع الكامل.
ما يجري في لبنان ليس فقط تفكيك طبقة، بل إعادة هندسة مجتمع. مجتمع أقلّ مطالبة، وأقلّ مساءلة، وأكثر اعتماداً على المساعدات الخارجية، وتحديداً من المنظمات المانحة التي عمل العديد منها على تفكيك بنية المجتمع اللبناني والعائلة اللبنانية. هذه ليست فوضى، بل نظام جديد يُبنى على أنقاض القديم، نظام لا يحتاج إلى قمع دائم، لأن الجوع يقوم بالمهمة.
لكن ما لم يُحسَب بعد، هو أنّ الطبقة الوسطى، حين تُدفع إلى الزاوية، لا تختفي دائماً. أحياناً تعود، لا كما كانت، بل أكثر حدّة، وأقلّ وهماً، وأكثر استعداداً لكسر القواعد. التاريخ لا يتحرّك بالطبقات المرفّهة ولا بالمعدمين فقط، بل بمن سُرقت منهم حياة كانوا يعتقدون أنها مضمونة.
السؤال ليس إنْ كانت الطبقة الوسطى قد ماتت.
السؤال: كم من الوقت يمكن دفن الناس أحياء قبل أن يطرقوا التابوت من الداخل؟

