د. أنطوان يزبك
اليوتيوب اختراع رائع ، يسمح لأصحاب النوستالجيات والحنين إلى الأزمنة الماضية بالعودة و مشاهدة كيف كانت الحياة في تلك الأيام التي انقضت من خلال أفلام التقطت في القرن الماضي في لبنان ، بيد أنّ هذه الوسيلة المُدهشة تطلق الجّني من القمقم ، إذ حين تقرأ التعليقات في ال comments تصاب بذهول و إرباك و قهر ، ذلك من فداحة و سذاجة ما تقرأ في محتوى تلك التعليقات ومنها :
رزق الله على هيديك الأيام ، كنا عايشين بألف خير….
كانت أيام بحبوحة …
كنا عايشين بألف خير من الله ونلعب لعب بالمصاري …
تعليقات من هذا النوع السَاذج والمبتذل … الطامة الكبرى تحصل حين يقول أحدهم : انشالله يرجع لبنان متل ما كان سويسرا الشرق …
لا يا حبيبي ! لم تكن أبدا أياما من البحبوحة ولا الإزدهار ولا كانت سويسرا الشرق بتاتا ، كانت كذلك ، لبعض المحظوظين بين الناس من الإقطاع و الأثرياء اللصوص يحظون برعاية رجال الدين ولكن السواد الأعظم من الشعب كان يعاني معاناة شديدة خاصة في الأرياف والتخوم والقرى البعيدة النائية التي أهملتها الدولة ، فكلّما ابتعدت عن المتن وبيروت كلّما كان الجوع هو العنوان الأبرز ، والفقر والبؤس يلتهمان الوطن وسكّانه وفقراء القرى من العمال البسطاء والفلاحين، فكان اللبناني من تلك المناطق يقضي نهاره وليله يكابد الجوع والحرمان والقرف والموت البطيء . ولمن يحبّون النوستالجيا والتاريخ تعالوا معي لأخبركم كيف كان الازدهار في منتصف القرن الماضي وكيف كان اللبناني يعيش بألف خير وبحبوحة :
في قرية تقع على مرتفع شَاهق من ما يسمّى جبل لبنان كانت تعيش أسرة مؤلفة من أب وأم و أطفال في فقر شديد و عوز متواصل فلا وسيلة للارتزاق في تلك المنطقة سوى ما يسمّى بشغل [ الفعالة ] التي لا تتوافر دائما فكان على الأب أن ينتقل الى المناطق طلبا للارتزاق ، يهبط إلى الساحل حيث يعمل مياوما في قطف الحمضيات و يغيب لأسابيع ، اذ لم تكن عملية الانتقال سهلة من قريته الى بساتين الحمضيات الساحلية بل يتطلب الأمر منه مسيرة يومين على الأقل ذهابا وإيابا ، فيبقى المدّة المطلوبة لإنجاز العمل ثم يعود إلى أسرته .
غاب الأب في واحدة من المرات وطالت غيبته ونفذت مؤونة الأسرة و أخذت تتضوّر جوعا بانتظار عودته .
ولكي تسدّ رمق هؤلاء الاطفال الجائعين ، كانت الأم تبحث تحت الأشجار عن بقايا ثمار متساقطة أو تنقّب في حقل عن رؤوس بطاطا غفل صاحب الرزق عن اقتلاعها وتبحث عن [ السليق ] والأعشاب والثمار البريّة وحتى السرقة من أرزاق جيرانها لتؤمّن لأولادها شيئا يسدّ جوع بطونهم المزمن .
في تلك الحقبة خلال أشهر المونة تحديدا كان يحضر تجار الحبوب (المكاريّة ) ومعهم حبوب الحمص والفول والعدس والقمح محمّلة على الدواب قادمين من سهل البقاع ، ويشرعوا في السير من قرية إلى أخرى يبيعون بضاعتهم .
أمّا طريقتهم في البيع فتكون على الشكل التالي : يتوقفون في ساحة الضيعة لساعات معينة ، فتهرع القرويّات و تبدأ عملية البيع والشراء .و حين ينقضي الوقت المحدد يغادرون الى سوق قرية أخرى .
في ذاك اليوم كانت المرأة المسكينة تقف متفرّجة ، تدنُو حينا و تتراجع في حين آخر من أكياس الحبوب المعروضة على الأرض ، تنظر إلى أصناف الحبوب باشتهاء غير موصوف وهي مضطربة ، لا تعلم كيف تتصرف ، هل تستعطي أو تشتري بالدين بانتظار عودة زوجها ؟ !
و هب أن المكاري صاحب البضاعة رفض أن يبيعها بالدين ، أو أسمعها كلاما غير لائق أو زجرها أو حتى طلب منها خدمة خسيسة تمسّ شرفها لقاء الحبوب !!
لاحظ أحد المكاريّة اضطرابها فقال لها :
تفضلي تفضلي يا ست تفضلي شوفي لنّو البضاعة …
اقتربت المسكينة من الأكياس وأخذت تتناول حفنات من الحبوب وتقلّبها بين أصابعها ثم تعيدها إلى الكيس بخفر وانكسار …
وبعد دقائق سألها المَكاري ما إذا كانت ستشتري أم لا فقالت له : ما بسترجي يا عمو بخاف ما يستووا على النار ، السنة الماضية اشتريت حبوب بقوا متل الحجار …
فقال لها التّاجر انا حبوبي بيستووا بربع ساعة، و قبل ما تشتري رح خليكي تجربيهم فطلب منها أن ترفع إزارها وأخذ يعبئ لها من كل صنف قبضة سخيّة ويسكبها في الإزار المنبسط أمامه حتى امتلأ ، ثم قال لها :
روحي يا اختي عالبيت اسلقيهم وبحلف بشواربي أنه رح يستووا منيح و ارجعي عمهلك اشتري قد ما بدك ….
هرعت المسكينة إلى المنزل فرحة بالذي تحمله غير مصدّقة أنّها تمكنت من أن تعود بوجبة طعام لأطفالها ؛ حفنة من الحمص و أخرى من الفول و القمح و العدس و الفاصوليا كنز سليمان بالنسبة لها ، تصنع منها طبخة مخلُوطة !
باشرت من فورها بوضعها في طنجرة على النار ، وغلتها جيدا لتعدّ منها طبقا يتغدّاه اولادها .
بالطبع بعد رحيل المرأة المسكينة شدّ المكَاري الرّحال مع جماعته وتركوا ساحة القرية الى قرية أخرى وهو بخبرته الطويلة أدرك أن المرأة فقيرة لا تملك قرشا و حكما لن تعود وهو قدّم زكاة و تصرّف بشهامة مع إمراة جائعة و أولادها !!
لا عمل أسمى في الحياة من إطعام جائع .
هذا هو تاريخنا المشرّف يا سادتي الكرام ، و هكذا كانت جمهورية سويسرا الشرق يوم كنا ( نلعب لعب بالمصاري ) ، عهود الازدهار التي شنّفوا آذاننا يمدحون محاسنها و عظمتها و يتداولون أخبار بطولات الجمهورية ، التي خدّرت الشعب لعهود طويلة و صقور هذا النظام يكدّسون الثروات الطائلة !
شعبنا المقهور راح ضحية الحراميّة منذ البداية ، كانت شرائح كبيرة منه تتسوّل وتسرق وتحتال و تلجأ إلى كلّ صنوف الإنحناء والمذلّة والمهَانة حتى بالكاد تأكل صحن مخلُوطة يسدّ جوع أطفال صغار ذنبهم الوحيد أنهم ولدوا لأهل شرفاء فقراء !
