يكشف المسار اللبناني عن وجه آخر أكثر خطورة. حيث كشف نشر مذكرة الخارجية الأميركية التي جرى تداولها تحت عنوان «اتفاق لبناني – إسرائيلي لوقف النار» أن ما يُطرح ليس وقفًا متكافئًا للأعمال العدائية، بل صيغة تُشرعن استمرار العمليات الإسرائيلية تحت شعار «مواجهة التهديد المحتمل». هذه الصيغة تعني عمليًا منح «إسرائيل» حق المبادرة الدائمة، وتحويل وقف النار إلى إطار مرن يسمح باستمرار الاعتداءات، وهو ما جرى طيلة فترة ما بعد وقف النار السابق في 27-11-2024، تحت ستار رسالة ضمانات أميركية سلمت لـ»إسرائيل» ودون موافقة لبنان، وقد صارت اليوم بتوقيع لبناني، وهو ما يفسر ما يجري ميدانيًا من غارات واستهدافات متواصلة رغم الحديث عن تهدئة.
جلسات التفاوض الوسيطة في واشنطن تعكس هذا التوجه، حيث يجري السعي لفرض معادلة أمنية جديدة في لبنان، تُبقي يد «إسرائيل» طليقة، مقابل وعود سياسية واقتصادية للبنان. لكن هذه المقاربة تصطدم باصرار المقاومة على رفض هذه الإهانة الموجهة إلى كل اللبنانيين في مذكرة الخارجية الأميركية، والمقاومة تستقوي بموقف إيراني واضح يربط بين المسارين، إذ تؤكد طهران أن أي نجاح للتفاوض مع واشنطن يمر عبر حل شامل في لبنان، يبدأ بإنهاء الاحتلال ويكرّس وقفًا حقيقيًا للنار، لا مجرد هدنة مشروطة.
هذا الربط بين الجبهتين يُعيد رسم حدود التفاوض، ويمنع واشنطن من فصل الملفات كما ترغب. فلبنان لم يعد ساحة مستقلة عن الصراع الأكبر، بل جزء من معادلة إقليمية متكاملة، وهو ما يفسر أيضًا تصاعد الخطاب السياسي للمقاومة. في هذا السياق، جاءت كلمة الشيخ نعيم قاسم لتؤكد أن استمرار الاعتداءات تحت ذريعة «التهديد المحتمل» مرفوض بالكامل، وأن المقاومة لن تلتزم الصمت، بل سترد على أي خرق، بما يعيد تثبيت معادلة الردع.
الأهمية هنا لا تكمن فقط في الموقف السياسي، بل في الوقائع الميدانية التي ترافقه. وهو ما يثبته اعتراف «إسرائيل» بسقوط 37 إصابة في صفوف جيشها منذ إعلان وقف النار، إضافة إلى مقتل جنديين، ما يشير إلى أن الجبهة لا تزال مفتوحة فعليًا، وأن ما يُسمى تهدئة لم يُترجم استقرارًا على الأرض. وهذه الأرقام، رغم محدوديتها الظاهرة، تحمل دلالات عميقة، إذ تعكس استمرار الاشتباك، وتؤكد أن أي محاولة لفرض قواعد جديدة بالقوة ستواجه برد ميداني.
(البناء)

