الدكتورة مهى ابوخليل مديرة العلاقات العامة في مؤسسات الامام الصدر “شهيدة”

الدكتورة مهى ابوخليل

مديرة العلاقات العامة في مؤسسات الامام الصدر

“شهيدة”

هي امرأةٌ لم تعش لنفسها يومًا، بل جعلت من عمرها صلاةً طويلةً في محراب القضية، ومن أيامها طريقًا مفتوحًا نحو الناس والأرض والكرامة. منذ خطوتها الأولى، كانت تعرف أن الجنوب ليس مجرد مكان، بل هو روحٌ تسكن القلب، وجرحٌ لا يهدأ، وكرامةٌ لا تقبل الانكسار. أحبّت ترابه كما يُحب الأبناء أمّهم، وحملت قراه في وجدانها كما تُحمل الأمانات المقدّسة، فصار الجنوب نبضها، وصارت هي بعضًا من حكاياته.

نشأت على وجع الأرض وحنينها، على رائحة التبغ والزيتون، على تعب الأمهات المنتظرات عند الأبواب، وعلى صبر الرجال الذين يزرعون الحياة في أرضٍ تعرف الحروب كما تعرف المواسم. كانت إذا ذُكر الجنوب أشرق وجهها، وإذا تألم الجنوب انكسر قلبها، وإذا نادى الجنوب لبّت من دون تردد، كأن بينهما عهدًا قديمًا لا يخونه الزمن.

ولم يكن عطاؤها محصورًا في ميادين الموقف والمقاومة والنضال، بل تجلّى في عملها الإنساني والاجتماعي داخل مؤسسات الإمام الصدر، حيث أفنت سنواتٍ من عمرها وهي تمسح دمعة يتيم، وتخفف وجع أم، وتساند عائلة أنهكها الحرمان، وتفتح أبواب الرجاء لمن أغلقت الحياة أبوابها في وجوههم. كانت ترى في خدمة الناس عبادة، وفي مساعدة المحتاجين شرفًا، وفي كل يدٍ تمتد إليها أمانةً يجب أن تُصان بمحبةٍ وإخلاص.

لم تكن امرأةً تُغريها الراحة، ولا تستوقفها الصعوبات، بل كانت كلما اشتدت المحن ازدادت رسوخًا، وكلما ثقلت الأحمال ازداد قلبها اتساعًا. حملت الجنوب في دعائها، وفي تعبها، وفي سهرها، وفي تفاصيل أيامها الصغيرة. كانت تعرف أسماء القرى ، وتعرف وجع الناس قبل أن ينطقوا به، وتمضي إليهم بقلبٍ يفيض حنانًا وعزيمة.

وكان جهادها صامتًا عظيمًا؛ لا يعرف الضجيج ولا ينتظر المديح. تجلّى في ثباتها حين تعب الآخرون، وفي صبرها حين تراجع كثيرون، وفي عطائها حين ضنّ الجميع. كانت تؤمن أن النضال الحقيقي أن تبقى واقفًا حين تنحني الريح، وأن تحفظ المعنى حين يضيع في زحام الخيبات.

ومضت السنوات، وبقيت كما هي؛ امرأةً يزداد وجهها نورًا كلما مرّت عليها الأحزان، وتزداد قامتها شموخًا كلما حاولت الحياة أن تُرهقها. لم تغيّرها المكاسب، ولم تُغرها المصالح، لأنها كانت أكبر من كل ما يُشترى، وأصفى من كل ما يُساوَم عليه.

وحين جاء الختام، ختمت حياتها بالشهادة في مدينة صور، المدينة التي أحبّتها كما يُحب القلب نبضه الأخير. هناك، على شاطئ الجنوب ودفء ناسه، ارتقت روحها لتبقى في سماء المكان نجمةً لا تغيب. سقط الجسد، لكن الجنوب حملها في ذاكرته، وصور حفظت خطاها في شوارعها، والناس خبّأوا اسمها في دعائهم ودموعهم.

وحين يُذكر اسمها، لا يُذكر بوصفها امرأةً فقط، بل بوصفها جنوبًا يمشي على قدمين، ووفاءً لا يشيخ، وأملاً ينهض كلما ظنّ الناس أن الليل طال. لقد عاشت للناس، وللأرض، وللكرامة، ثم رحلت شهيدةً كما يليق بالعاشقين الصادقين.

هي امرأةٌ تشبه الجنوب حين يصبر، وتشبه زيتونه حين يبقى أخضر رغم النار، وتشبه البحر في صور حين يحتضن الغياب ولا ينسى. لذلك ستبقى حيّةً في القلوب، لأن الذين أحبّوا الأرض حتى الشهادة لا يموتون، بل يصيرون ذاكرةً مضيئة، ووصيةً للأجيال أن الجنوب يُحبّ أبناءه الذين يخلصون له، وأن الحق يستحق أن نعيش ونموت من أجله.

صور في :19 نيسان 2026

صدر داوود

Leave A Reply