نقد علمي منهجي لاستخدام تقنيات التعرف العميق على الوجوه في تحديد هوية الجثث: حالة الإمام السيد موسى الصدر نموذجاً
بقلم:
د. جهاد قنديل
خبير في الذكاء الاصطناعي والتطوير التكنولوجي
مقدمة
شهدت وسائل الإعلام، ومنها تقرير استقصائي بثته قناة BBC، تناولاً لقضية الإمام السيد موسى الصدر، حيث ادعى التقرير وجود جثة في إحدى الثلاجات الليبية تُظهر تشابهاً كبيراً مع صور الإمام، مستنداً في ذلك إلى نتائج تحليل باستخدام تقنية التعرف العميق على الوجوه (Deep Face Recognition). وقد أشار التقرير إلى أن “نموذج الذكاء الاصطناعي أظهر احتمالاً كبيراً أن الجثة تعود للإمام الصدر”.
وبغض النظر عن البعد السياسي والجنائي للقضية، فإن من واجب المجتمع العلمي تقييم مدى صحة المنهجية المستخدم، وصواب الاستنتاجات المستخلصة بناءً على ما تسمح به حدود المعرفة في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل الصور.
أولاً: نظرة تقنية في آلية عمل Deep Face Recognition
تعتمد تقنيات التعرف العميق على الوجوه على شبكات عصبونية تلافيفية (CNNs) مدربة على ملايين الصور لتعلم سمات الوجه البشري واستخلاص ما يُعرف بـالتمثيل العددي للوجه (Facial Embedding)، وهو متجه رياضي عالي الأبعاد يختزل ملامح الوجه في صورة عددية.
العملية تتضمن المراحل التالية:
1. Face Detection: تحديد الوجه في الصورة (باستخدام خوارزميات مثل MTCNN أو Haar Cascades).
2. Face Alignment: محاذاة الوجه وفق معايير محددة (العينين، الأنف، الفم).
3. Feature Extraction: تحويل الوجه إلى متجه عددي بواسطة نموذج مثل FaceNet أو ArcFace.
4. Similarity Measurement: حساب درجة التشابه بين المتجهات باستخدام مسافات مثل Euclidean أو Cosine.
5. Thresholding:اتخاذ القرار استناداً إلى ما إذا كانت درجة التشابه تتجاوز حداً معيناً (غالباً ما يُحدد تجريبياً وفقاً لبيئة البيانات).
هام:
هذه النماذج تُدرب وتُختبر عادةً على صور لأشخاص أحياء، في أوضاع إضاءة مختلفة ولكنها محدودة النطاق، ولا تشمل صوراً لجثث أو وجوه متحللة.
ثانياً: الثغرات العلمية والتقنية في تطبيق النموذج على حالة الإمام الصدر
1. التحلل البيولوجي والتشوه البنيوي لملامح الجثة
بعد الوفاة، تبدأ العمليات البيولوجية في تغيير ملامح الوجه تدريجياً:
* التحلل الجزئي للأنسجة الرخوة (الجلد، العضلات الوجهية).
* التغيرات في لون الجلد وشكله.
* انكماش الشفاه والعيون نتيجة التبخر والضمور.
* تشوهات في عظام الوجه بفعل الضغط أو التحلل أو الظروف المحيطة بالجثة (رطوبة، حرارة، برودة).
بالتالي، التمثيل العددي المستخرج من صورة لجثة متحللة لا يعكس الملامح الأصلية بدقة، بل يُظهر تحريفاً جوهرياً يُضعف صحة المقارنة مع صور قديمة للشخص المعني.
2. تباعد زمني كبير بين صور المقارنة
آخر الصور المعروفة للإمام موسى الصدر تعود إلى ما قبل اختفائه عام 1978. هذه الصور:
* تُظهره في عمر \~50 سنة.
* غالباً ما تكون أبيض وأسود أو منخفضة الجودة نسبياً.
* قد تكون التقطت في زوايا وإضاءة غير قياسية.
وعليه، فإن مقارنة صورة جثة يُفترض أنها التُقطت بعد عشرات السنين من الاختفاء بصور أرشيفية قديمة لا تتماشى مع الشروط المثالية لنجاح تقنيات التعرف العميق على الوجوه، التي تتطلب صوراً حديثة، واضحة، ومماثلة في الوضعية والإضاءة.
الدراسات الحديثة تشير إلى أن دقة النماذج تتناقص بشكل حاد عند مقارنة صور لأشخاص في أعمار زمنية متباعدة(Age Progression Gap).
3. الاعتماد على بيانات منخفضة الجودة
الصورة المأخوذة للجثة، بحسب مصادر التقرير، تم التقاطها في ظروف تصوير سيئة (إضاءة خافتة، زاوية جانبية، لون الجلد المتغير).
* جودة الصورة تؤثر مباشرة في دقة استخراج التمثيل العددي.
* الشبكات العصبونية تتأثر بشدة بالضجيج في الصورة (Noise).
* حالات مشابهة موثقة في الأدبيات أظهرت معدلات خطأ تصل إلى 40% عند العمل على صور ذات جودة منخفضة.
أي استنتاج ناتج عن مقارنة تعتمد على صور غير مثالية يُعد إحصائياً غير موثوق.
4. ارتفاع معدلات التطابق الكاذب (False Positives)
* حتى في أفضل السيناريوهات، أنظمة التعرف على الوجوه قد تُنتج نسب تشابه مرتفعة بين أشخاص غير متطابقين.
* دراسات على نماذج مثل FaceNet وArcFace أظهرت أن:
* احتمال التطابق الكاذب يرتفع في حالة التشابه البنيوي بين الوجوه (Morphological Similarity).
* الصور ذات الزاوية الجانبية أو الجزئية تزيد من خطر الخطأ في المقارنة.
بالتالي، التشابه الذي أظهره النظام قد يكون مجرد تشابه شكلي إحصائي، لا يدل على تطابق حقيقي في الهوية.
5. الافتقار إلى أدلة جنائية داعمة (DNA، سجلات طبية، تقارير تشريح)
في تحقيقات الهوية، لا يُعتمد على تقنيات التعرف على الوجوه منفردة. بل يجب دعمها بالأدلة التالية:
* تحليل الحمض النووي DNA: الوسيلة الأدق لتحديد الهوية، خاصة عبر المقارنة مع أقارب الدرجة الأولى.
* تحليل الأسنان (Dental Records):في حال توفر صور شعاعية أو سجلات سابقة.
* تحليل العظام والعمر الهيكلي: لتحديد العمر التقريبي للمتوفى.
* تقدير الزمن منذ الوفاة (Post-mortem Interval).
غياب هذه الأدلة يجعل أي استنتاجات قائمة على الذكاء الاصطناعي افتراضية وغير قابلة للاستخدام في السياق الجنائي أو القضائي.
ثالثاً: ماذا يقول العلم في هذه الحالة؟
استناداً إلى الأدبيات الحديثة في الذكاء الاصطناعي، الرؤية الحاسوبية، والطب الشرعي، يمكن استخلاص المبادئ التالية:
– دقة النماذج مع صور حديثة: غير متوفرة
توافق الإضاءة والزوايا: غير متحقق
تقادم الصور المقارنة: مرتفع (أكثر من 40 سنة)
– حالة الجثة: غير صالحة للقياس المباشر
دعم أدلة جنائية :مفقود
– إمكانية الخطأ الإحصائي :مرتفعة جداً
بناءً على ما سبق، الاعتماد على تقنية التعرف العميق على الوجوه وحدها لتحديد أن الجثة تعود للإمام الصدر يُعد إجراءً غير علمي، يحمل قدراً كبيراً من عدم اليقين، وقد يؤدي إلى استنتاجات مضللة في سياق حساس سياسياً واجتماعياً.
رابعاً: التوصيات العلمية
1. رفض الاستنتاجات المبنية على تحليل وجه آلي للجثث كدليل قاطع.
2. ضرورة دعم أي ادعاء بشأن هوية الجثة بتحليل DNA وفقاً للمعايير الدولية.
3. دعوة لجان الطب الشرعي الدولي للتحقيق المستقل في الأمر.
4. استخدام تقنيات 3D Face Reconstruction وتحليل الجمجمة كبدائل علمية أدق.
5. توعية الرأي العام بأن تقنيات الذكاء الاصطناعي، رغم تطورها، ليست معصومة من الخطأ.
خاتمة
قضية اختفاء الإمام موسى الصدر قضية إنسانية وسياسية بامتياز، وتتطلب معالجة دقيقة، حذرة، ومسؤولة.
إن الانزلاق إلى استنتاجات مبنية على أدوات تقنية غير مؤهلة للعمل في ظروف تحقيق جنائي معقدة لا يخدم الحقيقة، بل يعرضها للتشويش.

