المشاريع الصغيرة: نبض الاقتصاد في زمن الانهيار

منار شحادي

في بَلَدٍ يَتَخَبَّطُ منذ سَنَواتٍ في أَزَماتٍ اقتِصاديَّةٍ مُتَلاحِقَة، وَبَينَما كانَت كُبرى الشَّرِكاتِ تَنهارُ الواحِدَةَ تِلوَ الأُخرى تَحتَ وَطْأَةِ الانهيارِ الماليّ، وُلِدَت مَشاريعُ صَغيرةٌ مِن قَطَراتِ أَمَلٍ مُتَناثِرَة — عَلى أَرْصِفَةِ الأَحياء، في زَوايا البُيوت، وَعَبرَ صَفَحاتِ الإِنترنت. مُبادَراتٌ فَرديَّةٌ لَم تَنتَظِرْ خُطَّةَ إِنقاذٍ، وَلا دَعمًا دُوَليًّا، بَل تَحَرَّكَت بِداعي الحاجَةِ، بِالإِبداعِ، وَبِالإِيمانِ أَنَّ التَّغييرَ يَبدأُ مِن الإِنسانِ نَفْسِهِ.

هٰذِهِ الشَّرِكاتُ الصَّغيرةُ وَالمُتَوَسِّطَةُ (SMEs) أَثْبَتَت أَنَّها الرَّكيزَةُ المُتَبَقِّيَةُ لاِقتِصادٍ عَلى وُشْكِ الانهيار. فَهِيَ تُشَكِّلُ أَكْثَرَ مِن ٩٠٪ مِن المُؤَسَّساتِ العامِلَةِ في لُبنان، وَتُوَفِّرُ فُرَصَ عَمَلٍ لِشَريحَةٍ واسِعَةٍ مِنَ اليَدِ العامِلَةِ المَحلِّيَّة. مِيزَتُها الأَهَمُّ هِيَ مَرونَتُها وَقُدْرَتُها عَلى التَّكَيُّفِ مَعَ التَّقَلُّباتِ السَّريعةِ، سَواءً في السُّوقِ أَو في الواقِعِ الماليِّ المُتَزَعْزِعِ.

في ذُروَةِ التَّضَخُّمِ، وَتَحتَ وَطْأَةِ الانهيارِ المَعيشيِّ، اِستَطاعَت هٰذِهِ الشَّرِكاتُ أَنْ تَبْقى واقِفَةً، مُسْتَنِدَةً إِلى رُوحِ المُبادَرَةِ وَالإِبداعِ. نَرى مَثَلًا صَفَحاتٍ عَلى “إِنستَغرام” تَبيعُ الإِكسِسواراتِ، وَأُخْرى تُقَدِّمُ لَوحاتٍ فَنِّيَّةً، أَو خَدماتِ تَصْفيفِ شَعرٍ مِنَ المَنزِل. هٰذِهِ النَّماذِجُ، رَغْمَ بَساطَتِها، أَثْبَتَت أَنَّ النَّجاحَ لا يَتَطَلَّبُ رَأْسَ مالٍ ضَخْمًا، وَلا مَكاتِبَ فاخِرَةً، بَل فِكْرَةً، وَشَغَفًا، وَاسْتِمْرارِيَّةً.

وَعلى النَّقيضِ، تَجِدُ أَنَّ الشَّرِكاتِ الكُبْرى غالِبًا ما تَكونُ أَكْثَرَ هَشاشَةً في بِيئَةٍ غَيْرِ مُسْتَقِرَّةٍ كَالبِيئَةِ اللُّبْنانِيَّة. فَهِيَ تَعْتَمِدُ عَلى تَمويلٍ مَصْرِفِيٍّ كَبيرٍ، وَتُواجِهُ تَكاليفَ تَشْغيلٍ مُرْتَفِعَةً (رَواتِبُ، إِيجاراتٌ، تَجْهِيزاتٌ)، ما يَجْعَلُها عُرْضَةً لِلانْهِيارِ السَّريعِ عِنْدَ أَيِّ اضْطِرابٍ سِياسِيٍّ أَو نَقْدِيٍّ — كَما حَصَلَ مَعَ عَدَدٍ كَبيرٍ مِنَ الشَّرِكاتِ اللُّبْنانِيَّةِ.

في النِّهايَةِ، الشَّرِكاتُ الصَّغيرةُ قَدْ لا تَمْلِكُ الإِمْكانِيَّاتِ الكَبِيرَةَ، لَكِنَّها تَمْلِكُ ما هُوَ أَثْمَن: رُوحًا لا تَنْكَسِرُ. في زَمَنٍ يَتَهاوى فيه كُلُّ شَيْءٍ، هٰذِهِ المَشاريعُ ما زالَت صامِدَةً، تُقاوِمُ، وَتَسْتَحِقُّ أَنْ نَكونَ نَحْنُ داعِميها الأَوائِل. بِدَعْمِنا لَها، نَحْنُ لا نُساعِدُ أَصْحابَها فَقَط، بَل نُعِيدُ الحَياةَ إِلى اقتِصادِنا، وَنُحافِظُ عَلى فُرَصِ العَمَلِ، وَنَبْنِي لُبْنانَ مِن جَديدٍ، خُطْوَةً فَخُطْوَةٍ.

Leave A Reply