.. هروب ..
قد ينام الوجع في قلبي وأنا لا يمكن أن أنام، فما زالت أصداء الحرب في داخلي تسكنني.
لم ينتهِ وقعُ الحربِ وآثارُها، كما انتهى مجرّدُ وقفٍ شكليٌ لإطلاق النار، فقد فُرِض الصمتُ على البنادق، لكنّ دويَّ الحرب ما زال يعلو في الذاكرة والجراح، ولم تغادر عيوني مشاهد الموت والدماء، فكل شيء ما زال مقيم في جوارحي ..
في كل صباح يوقظني مشهدٌ أحاول الهرب منه، فأبكي وحدي، ويظنّ الآخرون أنّي أضحك، وفي كل مساء تسترجع ذاكرتي صور لا تنسى : يد طفل، عين شه-يد، ابتسامة جثة، ونحيب أم، وحديث عميق مع عائلة وضعت في أعناقنا أمانة دفن وديعة لم تستطع أن تلقي النظرة الأخيرة عليها ..
ما زلت أشم رائحة التراب الملطخ بالدماء، و أسمع حفيف عقد الكفن الأخضر والأبيض، وأكياس الجثث، وأشعر بأنين الأرض التي ضجّت بأجساد الش-هداء ..
لا أتفاخر .. ولا جميل لي .. لكنّني كنت أغسّلهم، أكفّنهم، أكتب أسماءهم على أكفانهم، وأقرأ في عيونهم السلام والأمان إلى الأبد، لكن عيوني لم تعرف السلام بعدهم ..
كنت ألمس ما تبقّى من أجسادهم وحتى العظام، وشيء من القلب والأضلاع، وأكتب معهم على صدري وجعًا لن يُمحى.
أحاول الكتابة عسى أن يُشفى قلبي قليلًا، أنا لا أكتب عن الحرب، بل تكتب الحرب في داخلي كل يوم، أنا لا أذكر ما جرى، بل الجراح هي من تذكّرني.
رأيتُ آنذاك وجوهًا دون ملامح، وعانقتُ أشلاء كانت تبحث عن بقايا الجسد، رأيتُ سبحةَ دعاء، وخاتم حرزٍ، وهاتف على شاشته صورة طفلة حُرمت من أبيها ..
تحوّل الربيع في قلبي إلى خريف اصفرت أوراقه، وإلى شتاء اسودت سماؤه، كلّ وجه طفل وجراحه، كل أم بكت، كل يدٍ امتلأت بالدماء سكنت في وجداني ..
أنا لا أنام… لأنّ بعض الأرواح ما زالت تستغيث في ذاكرتي .. تسكن معي .. أسمع صوتها دون كلام ..
أنا موجوع، لأنّي لم أجد جوابًا لأمٍ تسألني: “هل رأيت وجه ولدي؟”
وأنا أعلم أن ما تبقّى منه لم يكن يكفي لصورة.
وأمٌّ تحاول الاطمئنان: “هل بقي من ابني شيء؟”
ماذا أقول؟ كيف أشرح لها أنّ جسده أصبح شظايا !!
هذه المشاهد لم تبقَ ماضٍ، إنّها حاضرٌ يسكنني في كل لحظة، ليست شاهداً فقط، بل جزءًا من كل هذا الوجع.
أنا موجوع… نعم.
وأخشى أن ينتهي الوجع فيصبح النسيان خيانة.
أنا موجوع ..
أنا لستُ بخير، ولم أكن كذلك منذ تلك اللحظة التي التصق فيها الدم بالتراب، وتاهت وجوه الأحبة بين ركام البيوت.
أنا موجوع، لأنّي كنت هناك، في الحرب، لا سائحًا على الأطلال، بل بين الأجساد والدمار، أحمل الأسماء التي كُتبت على الأكفان بدل شهادات الميلاد.
أحمل في داخلي ذاكرة الجثث، رائحة الدم، صرخة أم، ويد طفل قُطعت أحلامه كما قُطعت أصابعه.
هذه الكلمات ليست رواية حرب، بل شهادة قلب،
هي الكلمات التي رفضت أن تموت داخلي.
هي محاولة للبوح، علّ الوجع حين يُكتب، يُشفى…
أو على الأقل، يُفهم ..
(مقتطف من كتابي الجديد)
الشيخ ربيع رفيق قبيسي
صور في ١٧/٧/٢٠٢
