في ذكراه السنوية : شيخ القراء سلمان الخليل على لسان الدكتور العاملي 

   بسمه تعالى

   هو أشهر قراء القرآن ترتيلاً وتجويداً في لبنان في القرن الأخير ، وله أصواته الخاصة بمدرسته التي نافست مشاهير القراء في الجامع الأزهر الشريف في مصر ، وعظماء الترتيل والتجويد في إيران .. كما اختص بتسجيله لكامل القرآن مجوداً ومرتلاً بطريقته المبدعة ، واشتهرت في العالم الإسلامي أصواته الثلاثون في الأذان .. وتخرج من مدرسته مئات القراء في لبنان وإيران وغيرها .. وكان حكماً دولياً في المسابقات القرآنية الدولية .. وله بصماته في كل الحالة الدينية في لبنان والعالم الإسلامي .. وتقلد العمامة المباركة على يد الإمام المغيب السيد موسى الصدر فرج الله عنه .. كما درس التجويد وعلمه على قراء أزهر بيروت وقراء ضاحية بيروت الجنوبية ومشايخها ، وتفقه في الدين والشريعة ودرس مقدمات العلوم الحوزوية على يد مجموعة من علماء الحوزة العلمية في بيروت .. في ذكراه السنوية نبارك لبلدية الغبيري في بيروت تخصيصها ” جائزة القارئ الشيخ سلمان الخليل السنوية ” في المسابقة القرآنية السنوية على مستوى لبنان والعالم ..

   كان أول اللقاء بيننا عندما سمعني وأنا في السابعة عشرة من العمر أقرأ بعد صلاة العشاء مجلس عزاء في مسجد الزهراء عليها السلام في منطقة الجناح في بيروت ، وذلك عبر مذياع المسجد ، وكان يجلس في دار مؤذن المسجد المجاور للمسجد المرحوم الحاج أبو علي خير الدين رحمه الله صاحب الصوت الجهوري والصرخة المدوية في الأذان ؛ وسمعني ليلتها شيخ القراء الشيخ سلمان الخليل رحمه الله لأول مرة عبر المأذنة والسماعة الخارجية ، فأعطاني بعد خروجي من المسجد ومجالستي له لبعض الوقت بعض التوجيهات المهمة للمحافظة على الحنجرة والحافظة ، منها : النوم المبكر عندما تشعر بالنعاس أول الليل ، ومنها : إخفاء نصف الصوت عند الإلقاء ، ومنها : كيفية معالجة الحنجرة بالعسل الصافي الطبيعي ونبتة الخبَّيزة عند الضرورة ، ومنها : متابعة الدراسة الحوزوية بقوة ، ومنها ومنها ، ودعاني للمشاركة في دروسه في علم تجويد القرآن وترتيله التي كان يلقيها على مجموعة من طلابه في حسينية مقبرة روضة الشهيدين التي كانت توليتها بيده بتكليف من الإمام المغيب السيد موسى الصدر ..

     وفي حسينية مقبرة روضة الشهيدين انطلقت علاقتي به بقوة من خلال دورة لتعليم التجويد والترتيل كان قد عقدها في شهر رمضان ، علماً أني كنت قد درست علم التجويد من قبل وتتلمذت على مشيخة من القراء في بيروت منهم شيخ قراء أزهر بيروت الشيخ حسن حسن دمشقية رحمه الله ، ونلت حينها شهادة في حفظ القرآن وتجويده ، ولكنني انتفعت الكثير بالتحاقي بدروس الشيخ سلمان ، وكان يعرفني لطلابه أنني من خطباء المنبر الحسيني ، ويعطيني الكثير من الزخم والتشجيع في مجالسه في بيروت ، ووجهني للتزود من دروس شيخ القراء العلامة الشيخ عبد الوهاب الكاشي رحمه الله ، وللقراءة في مجالس العلامة الحجة الشيخ عبد الكريم شمس الدين رحمه الله ، ومجالس العلامة الزاهد الشيخ محمد حسن القبيسي رحمه الله ، والعلامة السيد أحمد زكي تفاحة رحمه الله ، والعلامة الشيخ مرتضى عياد شفاه الله ، ومجالس آل شرف الدين في بيروت وغيرهم .. ونصحني وأنا في ثالث مواسم قراءتي لليالي عاشوراء الجماهيرية بصعود المنبر مرتدياً لعمامة جدي الشيخ عباس رحمه الله وهكذا كان .. فكان أول ارتدائي لعمامة جدي بسبب الشيخ سلمان أعطاه الله الأمن والأمان في قبره ويوم الحساب بين يدي الديان ..

   وبقي يتابع أخباري وأنا في هجرة طلب العلم بين قم المقدسة والنجف الأشرف وغيرها من الحاضرات الحوزوية داخل البلد وخارجه ، ويوجه الناس لدعوتي عندما أكون في لبنان ، وساعدني كثيراً في مواطن الشدة ، إلى أن دفعني بقوة لتلبية دعوة مجالس البصرة بعد سقوط نظام البعث في العراق وقال لي : ” أنت مكانك مجالس العراق ” ، وكان يتابع مجالسي عبر الفضائية ، ويحرض أهل العراق على حضور مجالسي ومحاضراتي ، وينعتني بنعوت ترفع قدري عندهم ، فبماذا يمكنني أن أكافئ هذا الرجل ؟

   ويوم توفيت والدتي وتكفل بتيسير دخول جنازتها لتدفن في مقبرتنا في وادي السلام قال : ” منذ ستين سنة وأنا أنقل الجنائز من لبنان إلى النجف الأشرف ، ولكن أسهل جنازة عبرت الحدود كانت جنازة والدتك رحمها الله ” .. وقرأ لها القرآن في فواتحها في بيروت بصوت خاشع ما تزال أصداؤه في المسامع ..

    ولا أنسى جلساتنا العلمية العامرة في دارته نتذاكر أحوال المراجع والفقهاء والعلماء والخطباء ومشاهير القراء التي كانت كلها دروس وعبر ، يطرح فيها تجاربه الغنية معهم ، سيما مع الإمام المغيب السيد موسى الصدر ، وشيخ القراء العلامة الشيخ عبد الوهاب الكاشي ، كما كان واسطة لنقل الحقوق الشرعية لمرجع الطائفة السيد أبي القاسم الموسوي الخوئي رحمه الله ، وأتذكر يوماً رجلاً سأل أستاذنا المرجع الراحل الشيخ محمد تقي الفقيه العاملي رحمه الله عن مسألة عملية من مسائل كيفية تجهيز الجنازة العملية فقال له الشيخ الفقيه في الجواب : ” إرجع إلى الشيخ سلمان الخليل وأخيه الشيخ جعفر الخليل فهما أعلم بهذه المسائل ” .. فلله دره وعلى الله أجره ..

   ما ترك الشيخ سلمان – ونحن نمر في ذكرى رحيله السنوية – مسجد الإمام الحسين عليه السلام في حي سوق الجمال قارئاً للقرآن ومؤذناً ومعلماً لأحكام التجويد والتلاوة وتجهيز الميت ، كما لازم مسجد الإمامين الحسنين عليهما السلام قارئاً للقرآن ومؤذناً في يوم الجمعة لحين وفاته .. حشره الله مع أوليائه محمد وعترته المطهرة وإلى روحه وروح أخيه المقرئ الشيخ جعفر وأمواته ، سيما من تربطهم بنا رابطة النسب من آل خازم ثواب الفاتحة مسبوقة بالصلاة على محمد وآل محمد ..

   غرة شعبان 1446

  الكاظمية المقدسة

الأقل :

  د . ش . إبراهيم العاملي

سليل الشهيد الثاني صاحب الروضة البهية ..

Leave A Reply