خضر حسان – المدن
يسعى المكلَّف بتشكيل الحكومة، سعد الحريري، إلى اختتام رحلة التأليف بأسرع ما يمكن، كي يُتَوَّجَ رئيساً أصيلاً للحكومة، لا ليبدأ رحلة إخراج لبنان من محنته بوصفه رئيساً للسلطة التنفيذية، بل ليعود إلى المشهد السياسي من بوابة الكرسي الذي “يعشقه”. خصوصاً وأن تنحّيه عنه في المرّة الأخيرة، جاء بقوّة الشارع الذي أعطى الحريري كممثِّل للطبقة الحاكمة، شهادة سوء سلوك سياسي واقتصادي.
عدم الاستعجال
لا يجد الحريري رغبة لدى الأطراف السياسية الأخرى بتسريع عملية تشكيل الحكومة. فالجميع لا يملك مقوّمات التشكيل، لا لناحية القرار ولا لناحية المقوّمات التي تنطلق من إيجاد الحلول للأزمة الاقتصادية والنقدية. فيصبح التباطؤ في التشكيل، حلاًّ مناسباً، يُكسب أركان السلطة بعض الوقت، ريثما تنقضي فترة الأعياد. ولربما يأتي ارتفاع وتيرة انتشار فيروس كورونا، ودخول السلالة الجديدة على خط الانتشار في لبنان، كبطاقة دعم إضافية لتمديد فترة تصريف الأعمال، التي تتولاها حكومة حسان دياب المستقيلة، فتربح بذلك السلطة وقتاً إضافياً.
لا تقيِّم السلطة الواقع بشكل صحيح، فهي لا تملك مفاتيح الحل، وما عدم الاستعجال سوى نتيجة لافتقارها للمفاتيح، لأنها تدرك وجود القرار خارج الحدود. وبالتالي، فالتباطؤ أمر واقع وليس تَرَفاً أو قراراً ذاتياً.
ولتبرير التباطؤ المترافق مع سرعة تدهور الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والنقدية، ترى السلطة أنّ تسلُّمَ الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن كرسي البيت الأبيض رسمياً، سيحمل معه بوادر الحل للأزمة اللبنانية. ومن دون إعلان ذلك حرفياً، تسلّم السلطة أمرها لليوم الموعود وتلقي فشلها على ما هو أقوى منها وأكبر.
الاقتصاد لا ينتظر
فترة النقاهة التي تعيشها السلطة لا تتوافق مع الحركة الدائمة للاقتصاد، والتي تتجه نزولاً وتتسارع، بفعل الدفع الإضافي الذي تتلقّاه من بعض القرارات ذات الأبعاد السياسية، وليس آخرها قرار منظمة ماغ تعليق عملها في لبنان، وصرف نحو 130 موظفاً “لأسباب سياسية”، وهو التبرير الرسمي والصريح للمنظمة المموَّلة من الحكومة البريطانية. وليس خافياً على أحد أنّ انتقال هؤلاء الموظفين إلى خانة العاطلين عن العمل، يعني تضرّر ما لا يقل عن 260 شخصاً، إذا اعتبرنا أن كل مصروف من العمل، يعيل شخصاً واحداً معه على الأقل.
أيضاً، انتظار تسلُّم بايدن للرئاسة لبدء الحل في لبنان، ليس سوى تعلّقٌ بالأوهام، لأن لدى الرئيس الأميركي الجديد ملفّات أهم لحلّها، وعلى رأسها الملف النووي مع إيران ومحاربة انتشار فيروس كورونا، سواء في الولايات المتحدة الأميركية أو في العالم. وإذا افترضنا أن الإدارة الأميركية تضع لبنان ضمن أولوياتها، فإن لبنان سيكون في المرتبة الثالثة في سلّم الأولويات، ما يعني أن فتح الملف لن يكون قبل منتصف العام 2021، وليس منتصف شهر كانون الثاني كما يعتقد البعض.
دخول بريطانيا على خط الضغط السياسي، وانشغال الولايات المتحدة بهمومها، يقلّص إمكانيات الحل السياسي اللبناني ويسرّع تأزّم الاقتصاد. فمع بداية العام 2021 تتّجه بعض المؤسسات السياحية والتجارية إلى الاقفال. ما يعني ارتفاعاً إضافياً في معدّلات البطالة.
كما أنّ إطالة زمن الحل وعدم تشكيل حكومة جديدة يقلّص حجم الاهتمام الدولي بلبنان، تحديداً على مستوى الدول المانحة والبنك الدولي وصندوق النقد. فضلاً عن إمكانية البدء بمطالبة حاملي سندات اليوروبوند بمستحقاتهم التي علّقت حكومة دياب دفعها. وكذلك يضع انتشار فيروس كورونا وسلالته الجديدة كامل الاقتصاد اللبناني أمام تحدٍّ جديد، من خلال تهديده باقفال المؤسسات التجارية والسياحية والتعليمية، وليس المطار والمرفأ ببعيدين عن الاقفال.. وهذا كلّه يؤثّر سلباً على سعر صرف الليرة، ويزيد حاجة الأفراد والمؤسسات إلى الدولار. ومع زيادة حجم البطالة وحاجة العاطلين عن العمل للاستهلاك المرتبط بالدولار، فإن احتمال ارتفاع سعر الدولار سيزيد.
الوقت ليس لصالحنا
يعلم الجميع أن الوقت ليس في صالحنا كلبنانيين، لكن المشكلة تكمن في تعنّت السلطة السياسية، وإصرارها على العبث بما تبقّى من مقوّمات في هذا البلد. ومع أن البابا فرنسيس استغلَّ فترة الأعياد ايجابياً، ليوجّه رسالة إلى السياسيين تذكّرهم بأن “وقتكم ليس مكرساً لمصالحكم وشغلكم ليس لكم، بل للدولة وللوطن الذي تمثلونه”، إلاّ أن أحداً منهم لم يكترث. وهذا ما يراكم المؤشّرات السلبية المنتظرة خلال بداية العام الجديد.
يرجّح بعض خبراء الاقتصاد أن يبقى الوضع على ما هو عليه خلال الأشهر الثلاثة المقبلة. حتى أنّ الدولار قد لا يصل إلى حدود الـ10 أو 12 ألف ليرة، لكن ذلك غير مستبعد إذا ما طالت الأزمة، وصولاً إلى منتصف العام. فحينها، لا شيء مضموناً. ويُستَدَل على ارتفاع أسعار الدولار من خلال ارتفاع أسعار المحروقات والسلع الغذائية، والأهم من خلال التوجّه إلى رفع الدعم، جزئياً في المرحلة الأولى، وكلياً في المرحلة الثانية. على أنّ المرحلة الأولى لن تدوم طويلاً، بل هي ليست سوى تمهيد سريع للمرحلة الثانية، لا يتعدّى دورها امتصاص الصدمة الشعبية، لتُترَك الأمور على سجيَّتها من منتصف العام إلى ما لا نتوقّعه.

