حيدر حيدر
أتهيّبُ دومًا حين أُمسكُ قلمي لأكتب عن كتاب ما، عن أديب أو روائي أو شاعر، صديقًا أكان أم غريبًا… وكيف إذا ما اجتمعت الصفات معًا وأردتُ الكتابة عن أديبة روائية شاعرة، ليست صديقة أو غريبة، إنما هي جزء أساسيّ من رابطة الدم والحياة؟! فأكون بين سندان القرابة ومطرقة الوجدان، فلا أجد مفرًّا من حيرتي، وقد أتّهم نفسي بالانحياز لأن شهادتي مجروحة بها، غير أنّني سأقاوم نبضي قدر ما استطاع قلمي إلى ذلك سبيلا…
ناهد فرّان، الأديبة المرهفة التي أفردت لنفسها مساحة على خارطة الأدب شعرًا ورواية، وأثبتت بالتجربة الحسيّة الواقعية أنّ المرأة العربية وبالأخص الجنوبية، هي مقاوِمة بامتياز لقضايا المجتمع وظروف الحياة. الحقوقيّة التي جذبها صوت الحق منذ نعومة الفكر، ربيبة طبيب داوى الآلام بابتسامة في الروح، وأسرجَ اللغة مطواعة ليضاهي قريضه فحول الشعراء.
ناهد فرّان، التي استحضرت الزمن في قالب روائي يجذبك بسلاسة انسيابه الراقي، بعيدًا عن تعقيدات البناء القصصي وايديولوجيا النقد. اتّبعت حسّها المرهف في استقراء التاريخ عبر روايات الأجداد حينًا ومراجعة الوقائع في آخر. تنقلك قرونًا إلى زمن العبودية الذي قهر الوجدان البشري وترك بصمة ما زالت أصداؤها تتلاطم على شواطىء القارة السمراء حتى اليوم، وإلى النضال من أجل التحرّر وبناء المجتمعات القوية والمحصّنة المتحررة من ربقة الاستعباد والتبعية. لتعود بك إلى حاضر ممزوج بالحنين والوفاء تارة، وبالانتفاضة على التقاليد والعادات في أخرى. وما بين ماضٍ وحاضرٍ تمثُل “الصوفيّة” العربية بحلّاجها الأنيق، تُناغي “فودو” القارة الافريقية بكل معالمها، لترقصا معًا “رقصة البحّارة” على وقع ترانيم ديانة جديدة باسم الإنسانية.
“فودو” التي أرادتها ناهد فرّان منذ بدايتها صرخة “محارب مهزوم” لتنتصر في نهايتها وترفع حديثها إلى الله ومعه، وتنصهر في قالب إيماني نحتاجه في مجتمعاتنا اليوم أكثر من ذي قبل. هي رواية الحلم-الحقيقة التي حدّثتنا عنه باسلوب شيّق بعيد عن دوغماتية المصطلحات والمفاهيم، وتعقيدات اللغة والبناء السردي، أرادتها يسيرة الحضور لتكون أقرب إلى حديث المدفأة في ليالي كانون الباردة.
“السّحر الأسود” الذي مارسته ناهد فرّان يجعلك تتلهّف وتبقى على أهبّة الانتظار لترى مولودها الأدبي القادم، مارست سحر حضورها الأنيق في مقاربة الواقع وابتداع صياغة فريدة، فجاءت “فودو” رواية الحلم الأسود الذي أوصلنا إلى “عالم لا حدود له”.
