وزير الخارجية “آخر همّه” الإعتداءات الإسرائيلية

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

مرّ أسبوعان تقريباً على الرسالة التي بعث بها العدو الإسرائيلي إلى الأمم المتحدة، يشكو خلالها لبنان على استئنافه لدورة تراخيص ثانية في الحقول النفطية الجنوبية. كيف تصرّفت وزارة الخارجية؟ كالعادة، اعتمدت “سياسة النعامة”، وكأن شيئاً لم يحدث!

الشكوى الإسرائيلية والتي أعادت اعتبار المنطقة الواقعة ما بين الخطين 1 و 23 خاضعة لسيادة تل أبيب، أتت في ذروة النقاش الداخلي حيال “وساطة” الأميركي عاموس هوكشتين، وإلى أين سيصل في مقترحاته، حول إتمام ترسيمٍ حدودي بحري بتفاهمٍ لبناني – إسرائيلي برعاية أميركية، أي الشخص الذي نال تنازلاً رسمياً لبنانياً “من دون مقابل”، بإعادة اعتماد الخط 23 كمنطلق للتفاوض، أي الخط نفسه الذي أسقط عنه العدو في بيان المراسلة الصفة اللبنانية أو صفة “المنطقة المتنازع عليها” وأعاد اعتباره حدوداً له.

في وضعٍ مماثل، كان لا بدّ أن تهتزّ وساطة عاموس هوكشتين، طالما أنها قائمة على أساس إعادة الإعتبار للخط 23، وأن يردّ لبنان بالذهاب نحو أقصى التطرف في ما خصّ المحافظة على الحقوق اللبنانية. كيف تصرّف الجانب اللبناني بوكالة من وزارة الخارجية؟ بتجاهلٍ تام ومن دون أية مبادرة، فقط إنتظار موعد عودة الوسيط الأميركي الذي يمارس حالياً سياسة التلاعب بالجانب اللبناني.

كان يُفترض بهذه الحالة أن توعز وزارة الخارجية إلى مندوبة لبنان الدائمة في الأمم المتحدة، أمل مدللي، التصرّف، فتبادر إلى كتابة رسالة إلى مجلس الأمن تؤكد فيها على حقوق الدولة اللبنانية في المنطقة المُشار إليها بالإضافة الى المنطقة التي تقع شمال الخط 29، التي هي موضع تفاوض بوساطة أميركية وتحت رعاية الأمم المتحدة، ما يعني اعتبارها “متنازع عليها” من جانب الأمم المتحدة، لكن لم يحدث شيء من هذا.

قد تتذرّع وزارة الخارجية لتبرير عدم القيام بواجباتها بحالة العطب التي يُعاني منها مجلس الوزراء، لكن التجارب بإمكانها إسقاط هذه الفرضية قطعاً، بدليل أن الوزارة سبق لها وأن أوعزت إلى مدللي بتاريخ 18 أيلول الماضي، أن تعترض برسالة إلى مجلس الأمن، على منح “إسرائيل” عقوداً لتقديم خدمات تقييم تنقيب آبار الغاز في ما يُسمّى حقل كاريش لصالح شركة هاليبرتون الأميركية. لماذا إذاً اختارت الوزارة بشخص الوزير، تجاهل مضمون الرسالة الإسرائيلية الجديدة الواردة بتاريخ 23 الفائت؟ لماذا تجنّب الوزير اتصالاتنا و الردّ على طلباتنا المتكرّرة بضرورة نيل أجوبة حيال ما تقدم؟ لماذا “قُدفنا” إلى المستشارين الذين أبلغونا بضرورة إرسال الأسئلة مكتوبة وانتظار أن يأتي الردّ عليها، فمرّت 24 ساعة من دون حسّ ولا خبر، ومن دون تبرير الأسباب التي تفرض على الوزير عدم الردّ على هاتفه أو الإجابة على أسئلة طُلبت منا؟ لماذا يتعامل الوزير بـ”تطنيش كامل” حيال مسألة سيادية ويرفض التعليق أو الإجابة على كل ما يتّصل بموضوع الحدود البحرية وملف الترسيم؟ ما هو السرّ الكامن خلف تجنّب معاليه إبداء أي رأي حيال الملف وتجاهل الطلبات الصحفية الواردة إليه؟ هل يتّصل ذلك بالتزامات لبنانية إلى الوسيط الأميركي بضرورة الإنكفاء عن التعليق؟ أم أنه مشغولٌ بأمرٍ ما، لا يهمّ أن نعلم نحن ما هو، وهل هو أهمّ من الحفاظ على السيادة الوطنية وحقوق الشعب اللبناني التي ينهبها العدو؟

في مقابل كل ذلك، يستأنف الجانب الإسرائيلي وإلى جانبه حليفه الأميركي بالطبع ممارسة سياسة البطش في حقّ لبنان. لم يكتفَ هؤلاء بتراجع شركة المساهمة اللبنانية السياسية، عمّا هو حقّ لها والمتمثّل بالخط 29 لقاء الـ23، فذهب باتجاه تطبيق سياسة الضغط على الشركة الفائزة بمناقصة التنقيب عن النفط في البلوك رقم 9.

معلومات “ليبانون ديبايت” تُشير إلى أن شركة “توتال” أبلغت الجانب اللبناني بأنها في حلٍّ من أي التزام بالتنقيب متى لم تتوفّر الشروط، بمعنى أوضح، متى لم يحصل الإتفاق بين الجانبين الإسرائيلي واللبناني حول وضعية المنطقة المتنازع عليها والوصول إلى اتفاقٍ واضح حيال الخطّ الحدودي. يتقاطع ذلك مع بلاغٍ أميركي إلى الشركات المعنية ينصح بـ “صرف النظر” عن التنقيب في تلك المنطقة، قبل إنجاز الإتفاق التقني الحدودي. تتذرّع توتال هنا بـ”الخلاف البحري” كي لا تقوم بتنفيذ التزاماتها، وإلى حدٍ ما، تستخدم الشركة في إطار ممارسة المزيد من ابتزاز الجانب اللبناني بهدف دفعه صوب توقيع اتفاق “غير مباشر” مع الجانب الاسرائيلي، يقضي بتقاسم حدوده وفق “رؤية عاموس” التي لا تختلف مبدئياً عن “رؤية هوف”. في المقابل، تعمل شركة “إنرجين” اليونانية الملزّمة من قبل الجانب الإسرائيلي بحرية تامة، لماذا؟ لأن وزارة الخارجية اللبنانية تتقاعس عن إبلاغ الشركة بضرورة وقف أعمالها في المنطقة المُتنازع عليها، تماماً كما فعل الإسرائيلي مع “توتال”.

كان يمكن لوزير الخارجية متى كان حريصاً على الحقوق اللبنانية، أن يتعامل مع العدو الإسرائيلي بالمثل: يقوم بإبلاغ الأمم المتحدة ومجلس الأمن + الشركات، أن منطقة ما بين الخط 23 والخط 29 هي منطقة مُتنازع عليها ويُحظّر العمل فيها قبل الوصول إلى اتفاق أو قبل انتهاء “وساطة عاموس”. هذا الأمر لا يحتاج إلى “هراء بيروقراطي” على شاكلة تأمين الإتفاق السياسي على تعديل المرسوم 6433 أو انتظار مجلس الوزراء كي يلتئم، يكتفي أن يكتب معاليه رسالةً، أو يوعز إلى مندوبة لبنان كتابة رسالة، وينتهي الأمر! وهذا من صلب مهام ومسؤولية وزير الخارجية الذي هو على رأس الوزارة التي يجب أن تدافع عن حقوق لبنان في الأمم المتحدة ومجلس الأمن وفي المحافل الدولية ضد الإعتداءات الإسرائيلية، وهو غير مُعفى من هذه المسؤولية المُلقاة على عاتقه. يبقى أن القضية أبعد من ذلك، أبعد من توقيع، قضية تحتاج إلى شجاعة!

Leave A Reply