التّحالف بين المحرومين على أرضهم والمحرومين من أرضهم

تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضّوء على أهميّة القضيّة الفلسطينيّة لدى مؤسّس حركة أمل، وعلى الصِّلات بين الإمام موسى الصّدر وياسر عرفات. إذا كانت الصّراعات بين أمل وأحزاب اليسار من العام 1976 إلى العام 1982 وحرب المخيّمات بين أمل والفلسطينيّين من العام 1985 إلى العام 1988 قد أعطت انطباعًا بعداءٍ مستحكم بين هذه التّشكيلات المختلفة؛ فإنّها حجبت تحالفًا استراتيجيًّا انعقد في بداية السّبعينيّات، وأُعيد إحياؤه في نهاية الحرب الأهليّة اللبنانيّة.

المقاومة والقضيّة الفلسطينيّة في سيرة الإمام موسى الصّدر

بكّرَ الإمام موسى الصّدر في إشهار تأييده القضيّة الفلسطينيّة. في العام 1968، نظّم في النّجف، الحاضنة الرّوحيّة التّاريخيّة للشّيعة الاثني عشريّة، لقاء وفد فلسطينيّ ترأسّه خليل الوزير(أبو جهاد) بالمراجع الشيعيّة في المدينة (السّيّدين محسن الحكيم وأبي القاسم الخوئي). عقب هذا اللّقاء، صدرت فتوى من المرجع السّيّد محسن الحكيم بدعم حركة ياسر عرفات، «وخُصِّصَ جزء من الخُمس (وهو المال الّذي يدفعه المؤمنون الشّيعة للعالم المجتهد الّذي يقلّدونه مرجعًا دينيًّا لهم) لمنظّمة التّحرير الفلسطينيّة». في العام 1969، في إطار إشرافه على شؤون الشّيعة في صور (جنوب لبنان)، جمعَ تبرّعات من أعيان المدينة وقدّمها إلى فتح. وبالفعل، جعل الإمام موسى الصّدر القضيّة الفلسطينيّة أحد الموضوعات المركزيّة في لقاءاته، وبرّرَ دعمه لمنظّمة التّحرير الفلسطينيّة بحجج دينيّة وأيديولوجيّة وسياسيّة، وبسبب التّقارب بين الشّيعة اللبنانيّين والفلسطينيّين في لبنان، الّذين تقاسموا بأغلبيّتهم يوميّات متشابهة بالبؤس. وربط رئيس المجلس الاسلاميّ الشّيعيّ الأعلى موقفه بتموضعٍ براغماتيّ: «ليس أمام لبنان والمقاومة الفلسطينيّة طريق آخر غير التفاهم». وقد شاطره براغماتيّته ياسر عرفات، كما أشار الباحث صقر أبو فخر:

«كانت رؤية أبي عمّار: أنا موجود في الجنوب في محيطٍ شيعيّ. فيجب أن أكون على علاقة طيّبة معهم، ولا يمكننا أن نتصادم».

مقابلة مع صقر أبو فخر، بيروت في 11 تشرين الثّاني 2019

لكن من وجهة نظر رجل الدّين الاصلاحيّ هذا، يجب أن تكون مقاومة الاحتلال الإسرائيليّ متعدّدة الأشكال وشاملة: مقاومة أيديولوجيّة وسياسيّة، إلى جانب المقاومة المسلَّحة. ذهب الإمام موسى الصّدر إلى حدّ التّحدّث في الجامعات الأوروبّيّة دفاعًا عن قضيّة الفلسطينيّين. ففي 10 آب 1970 مثلًا، في مؤتمر في جامعة بون، انحاز إلى جانب المقاومة الفلسطينيّة وعمليّاتها المسلّحة، بحجّة انتفاء البدائل الأخرى أمام الفلسطينيّين لاسترجاع حقوقهم وأرضهم. متجنّبًا الاستسهال والالتباس، ذَكَّرَ جمهوره بالارتباط المستحيل بين اليهوديّة والصّهيونيّة مستحضرًا معارضة حاخامات خطّ «ساتمار» للمشروع الصّهيونيّ (voir Rabkin, 2004). في ختام مداخلته، أشار إلى المساعدة الاقتصاديّة السّنويّة الّتي تقدّمها جمهوريّة ألمانيا الاتّحاديّة (الغربيّة) لإسرائيل والبالغة 140 مليون مارك، وحَثَّ المواطنين الألمان للضّغط على حكوماتهم من أجل وقف دعمها لإسرائيل وتعزيز علاقاتها مع الدّول العربيّة. كما أطلق الإمام موسى الصّدر أيضًا شعارات ذات مدلول دينيّ بقيت شائعة: «التّعامل مع إسرائيل حرام» و«إسرائيل شرٌّ مطلق». في العام 1974، نظّم الإمام موسى الصّدر مهرجانات ومسيرات احتجاجيّة (بدنايل في 18 شباط 1974، وبعلبك في 18 آذار 1974، وصيدا في 5 نيسان 1974، وصور في 6 أيّار 1974) لتعبئة الجماهير ودعم مطالبها. هكذا، كانت انطلاقة حركة المحرومين. وفي هذا الإطار، أعلن في 5 نيسان 1974: «السّلاح زينة الرّجال». وأضاف: «نريد الجنوب منطقةً منيعة، صخرة تتحطّم عليها أحلام إسرائيل ونواة لتحرير فلسطين».

«تأسيسًا لمجتمعٍ مقاوِم»

عندما أعلن رئيس الحكومة رشيد الصّلح أنّ لبنان بلد سياحيّ، وأنّه من الواجب دعم هذا القطاع في الاقتصاد اللبنانيّ، ردّ عليه الإمام موسى الصّدر بحدّة: «قدر لبنان أن يكون دولة محارِبة لا دولة سياحة». وبما أنّه لم تؤخذ بعين الاعتبار أيّ من مطالبه المتعلّقة بالدّفاع عن الجنوب وتدريب سكّان جبل عامل وتسليحهم، ولم تُنَفَّذ؛ فقد أخذ على عاتقه تعويض تقاعس الحكومة. فاستدعى مصطفى شمران، وعهد إليه أدارة مؤسّسة جبل عامل المهنيّة الّتي أنشأها في العام 1962 لتحسين واقع البنية التّحتيّة التّربويّة في جنوب لبنان. كان مصطفى شمران من مؤسّسي حركة تحرير إيران مع ابراهيم يزدي وصادق قطب زاده وعلي شريعتي (كلّهم مقرّبون من الإمام موسى الصّدر). كان مصطفى شمران قد خضع لتدريب عسكريّ مكثّف في مصر بين العامين 1964 و1966. لبّى دعوة الإمام موسى الصّدر في العام 1971، واستقرّ في لبنان. كان مسؤولًا عن توفير التّدريب الفنّيّ والعقائديّ والإداريّ والعسكريّ لمؤيّدي الإمام موسى الصّدر بالتّعاون مع فتح ياسر عرفات. رأى الإمام موسى الصّدر في الإعداد بشقّيه العسكريّ والإيديولوجيّ وجهين لعملةٍ واحدة. (وهذا ما سنجده لدى حزب الله لاحقًا). هكذا، وإلى جانب دورات النّجارة والحدادة وتلحيم المعادن والكهرباء والالكترونيك وتصنيع الآلات الزّراعيّة، تضمّن التّدريب في مؤسّسة جبل عامل المهنيّة أيضًا تدريبًا أيديولوجيًّا تمحور حول تاريخ الشّيعة ومذاهبهم وتدريبًا عسكريًّا: «عندما كان الطّلّاب يدخلون إلى هذه المدرسة، كانوا يتعلّمون الفنون القتاليّة والعسكريّة لحرب العصابات». منذ بداية السّبعينيّات، هذا يعني قبل إعلان تأسيس أمل في 6 تمّوز 1975، أُجريَت لمناصري الإمام موسى الصّدر(المنضوين في حركة المحرومين ابتداءً من العام 1974 ثمّ في حركة أمل ابتداءً من العام 1975) دورات تدريبيّة عديدة في التّعامل مع الأسلحة وأساليب حرب العصابات في جنوب لبنان والبقاع (معسكرات عين البنيّة وجنتا واليمّونة): « كانت هذه المؤسّسة تعمل بشكلٍ مخفيّ من العيان منذ سنتين، وتعمد إلى تربية الشّباب الشّيعة وتدريبهم في معسكرات خاصّة بهم في منطقة بعلبك، حتّى أنّهم شاركوا في بعض العمليّات العسكريّة. لكن من دون الإفصاح عن ذلك. كما أنّ المعسكرات كانت في مناطق نائية بعيدة من أعين النّاس. وكان مدرّبون من حركة فتح يتولّون مهمّة تدريب شبابنا». يبرز سلطان أبو العينين، واحدًا من بين المدرّبين العسكريّين الفلسطينيّين في فتح، ممّن درّبوا مناصري الإمام موسى الصّدر:

«تمّ تدريب طلّاب المؤسّسة كلّهم. كانوا يأتون أفواجًا من حركة أمل، يتدرّبون يومًا أو يومين أو أسبوعًا، ويعودون بعد ذلك للتّدريب مرّةً أخرى. كنّا ندرّب عناصر حركة أمل في بساتينهم أو في معسكرات تدريب تابعة لنا». مقابلة مع سلطان أبو العينين، صيدا في 13 تشرين الثّاني 2019.

هكذا، عاد النّاشطون الّذين تدرّبوا إلى قراهم، حيث تشكّلت الخلايا وجُهِّزَت الأسلحة»، مقابلة مع أكرم طليس، بيروت في 24 كانون الأوّل 2018، ضمانًا للدّفاع عن السّكّان في حال وقوع هجوم إسرائيليّ. «أمل» هي اختصار لمصطلح أفواج المقاومة اللبنانيّة. جاء الإعلان الرّسميّ عن تأسيس حركة أمل، الجناح العسكريّ لحركة المحرومين، في 6 تمّوز 1975، عقب انفجارٍ في معسكر التّدريب في عين البنيّة في 5 تمّوز. بعد هذا الحادث، الّذي أسفر عن مقتل حوالي ثلاثين ناشطًا شيعيًّا ومدرّبٍ فلسطينيٍّ واحد (يُدعى مجاهد الضّامن)، اضطرّ الإمام موسى الصّدر إلى التّصريح بحصول تدريب عسكريّ كان قد شرع في تنظيمه. كما نشر في 28 أيّار 1975 في صوت المحرومين ميثاقًا من سبعة بنود، خُصِّصَ أحدها حصريًّا لفلسطين ولدعم المقاومة الفلسطينيّة: «فلسطين، الأرض المقدّسة، الّتي تعرّضت ولم تزل لجميع أنواع الظّلم هي في صلب حركتنا وعقلها. وإنّ السّعي لتحريرها أولى واجباتنا، وإنّ الوقوف إلى جانب شعبها وصيانة مقاومتها والتّلاحم معها شرف الحركة وإيمانها…» (البند السّادس في ميثاق حركة أمل).

خلاصة

في بداية السّبعينيّات، نشأ تحالف استراتيجيّ بين الإمام موسى الصّدر وياسر عرفات، وبين أمل وفتح. إذا كانت القضيّة الفلسطينيّة وثاق هذا التّحالف؛ فإنّ تناقضات عديدة طفت على سطح العلاقة بين هاتين الحركتين وهذين الزّعيمين بعد اندلاع الحرب الأهليّة، أخذت منحًى أيديولوجيًّا وسياسيًّا وعسكريًّا. تضافرت عوامل عديدة، منها وطأة حضور اليسار الفلسطينيّ في بنية منظّمة التّحرير الفلسطينيّة، والصّراع المتنامي بين الحركة الوطنيّة اللبنانيّة (تحالف الأحزاب اللبنانيّة الموالية للفلسطينيّين) وأمل، وتدخّل منظّمة التّحرير الفلسطينيّة في الحرب الأهليّة، والصّراع السّوريّ الفلسطينيّ في لبنان، وأخيرًا التّقارب الشّديد بين حافظ الأسد والإمام موسى الصّدر. فأسهمت هذه العوامل في تعميق هوّة الخلافات بين التّنظيمات الّتي تمثّل المحرومين من أرضهم، وتلك الّتي تمثّل المحرومين على أرضهم، كما سنرى في المقالة التّالية والأخيرة.

(ترجمة: يونس زلزلي – دكتوراه في اللغة العربيّة وآدابها من الجامعة اللبنانيّة وجامعة غرينوبل ألب الفرنسيّة).

اللواء

Leave A Reply