عون يضرب تحت الحزام.. ويضع العربة قبل الحصان!

غسان ريفي – سفير الشمال

في الوقت الذي يشهد فيه لبنان تدخلات وضغوطات دولية وعربية لتشكيل حكومة وصولا الى تهديدات فرنسية بفرض عقوبات على من يثبت تورطه بالتعطيل، وفي الوقت الذي يطبق فيه جنون الدولار على آخر ما تبقى من إمكانات اللبنانيين المالية ويقودهم نحو الفقر والجوع، نقل رئيس الجمهورية ميشال عون المعركة الى ساحة التدقيق الجنائي ليثير غبارا تغطي على كل الأزمات الأخرى، وذلك بكلام حق يراد به باطل.

لا حكومة في الأفق، كل المؤشرات توحي بذلك، والأمور تتجه نحو مزيد من التأزيم وصولا الى الفوضى وربما التهديد الأمني، في ظل تمسك تيار رئيس الجمهورية بزعامة جبران باسيل بـ”الثلث” المعطل للحكومة والاقتصاد والمبادرات والوساطات.

تشير المعطيات الى أن وزير الخارجية سامح شكري غادر لبنان وهو يضرب كفا بكف على حال اللبنانيين، وعلى ما سمعه من رئيس الجمهورية ومستشاريه من كلام لا يبشر بحل ولا يقود الى إنفراج، وهو كان يحتاج الى “منجم مغربي” لفك طلاسم العبارات التي رددت على مسامعه في الجلسة الرئاسية من الميثاقية الى وحدة المعايير والتوازن والحقوق كونه لم يجد تفسيرا لها في ظل وضوح الطرح الحكومي المتفق عليه دوليا وعربيا لجهة تشكيل حكومة إختصاصيين من دون ثلث معطل لأي فريق سياسي، ما يجعل الكلام عن الميثاقية وخلافها لزوم ما لا يلزم.

وإذا كان شكري لم يصل في خلال لقاءاته الى نتيجة إيجابية، فإن زيارته وجولاته تركت تساؤلات عدة لم تجد أجوبة شافية لها، لجهة: لماذا لم يلتق شكري مع ممثلين عن حزب الله؟ ولماذا إستثنى جبران باسيل من جولاته؟، ولماذا لم يجتمع برئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب؟، وهل كانت هذه الزيارة خطوة أولى على طريق إستعادة مصر لدورها العربي؟، وهل ستشمل الزيارة الثانية في حال حصلت كل الأفرقاء اللبنانيين لتكون مصر شريكة في الحل اللبناني؟.

في غضون ذلك، جاءت كلمة الرئيس ميشال عون من حيث الشكل لتدغدغ مشاعر اللبنانيين، وتحاكي هواجسهم بالنسبة لودائعهم، ولتلعب على الأوتار الحساسة لديهم، لاقناعهم بأن الحل يبدأ من التدقيق الجنائي الذي هو علة العلل ومن دونه لن يكون هناك مبادرة فرنسية ولا مساعدات ولامؤتمر سيدر ولا صندوق نقد دولي.

أما في المضمون فيبدو واضحا أن عون بدأ بالضرب تحت الحزام، بفتح معركة سياسية مع كل خصومه بدءا من الرئيس نبيه بري بتحميل وزير المالية مسؤولية العرقلة، وصولا الى الرئيس سعد الحريري ووليد جنبلاط وسائر الأطراف الداعمة لحاكم مصرف لبنان الذي إتهمه بمخالفة قانون النقد والتسليف وبعدم تنظيم العمل المصرفي، وباعتماد الفوضى في معايير الملاءة والسيولة، ومن ثم الاتهام الجماعي الذي ساقه بحق كل هؤلاء بتعطيل المبادرة الفرنسية.

وجه عون رسائل عدة، منها الى حزب الله بضرورة الوقوف الى جانبه في معركة التدقيق الجنائي التي هي أصعب من معركة تحرير الأرض، لان الفاسد والحرامي أخطر من المحتل والعميل. والى رئيس حكومة تصريف الأعمال بضرورة عقد جلسة إستثنائية للحكومة محاولا أن يضرب عصفورين بحجر واحد، الأول بتفعيل عمل الحكومة تلقائيا وهو أمر مخالف للدستور ويرفضه الرئيس دياب، والثاني تعطيل كل الجهود الرامية الى تشكيل الحكومة.

يبدو واضحا أن عون وباسيل والفريق السياسي المحيط بهما، لم يعد لديهم أي فكرة يمكن أن يجمعوا الناس عليها، وباتوا يشعرون بخطر العزلة التي بدأت تفرض عليهم، لذلك بادر عون الى إطلاق معركة التدقيق الجنائي، متناسيا بذلك أنه يضع العربة قبل الحصان، خصوصا أن الأزمة ليست أزمة تدقيق جنائي بقدر ما هي أزمة تشكيل حكومة التي في حال تنازل عون عن الثلث المعطل فيها وأفرج عنها فإنها ستبدأ مسيرة الاصلاحات والانقاذ وفقا لما جاءت به المبادرة الفرنسية، وبما أن عون هو الذي يترأس جلسات مجلس الوزراء بحسب الدستور، فإنه قادر على الضغط للسير بالتدقيق الجنائي أكثر بكثير من تكليف حكومة تصريف الأعمال بهذه المهمة، وأفضل من إصراره الدائم على “ذر الرماد في العيون” خصوصا أن كثيرا من المتابعين علقوا على خطابه بالقول: “مَرْتا، مَرْتا، إِنَّكِ تَهْتَمِّينَ بِأُمُورٍ كَثِيرَة، وَتَضْطَرِبِين! إِنَّمَا المَطْلُوبُ وَاحِد!”..

Leave A Reply