أحمد بعلبكي: على لوائح أميركا… وفي قلب الجنوب
في مدرسة الإمام موسى الصدر، لم تكن المقاومة يوماً فعلاً عسكرياً مجرداً، بل كانت فلسفة وجودٍ كاملة، عنوانها الإنسان الحرّ الذي يعرف أن الكرامة لا تُستجدى وأن الأرض لا يحرسها إلا الذين يذوبون فيها حباً وتضحيةً ووفاءً. وعلى خط دولة الرئيس نبيه بري، تربّى المقاومون على أن السير في “الطريق ذي الشوكة” ليس قدراً عابراً بل هو ضريبة الانتماء الحقيقي للأرض والناس والقضية، وأن الأجساد التي تُزرع في التراب لا تموت بل تُثمر حريةً وسيادةً وكرامة. ولذلك بقيت كلمته تختصر المعنى كله: “نزرع أجسادنا في الأرض والقطاف آتٍ… وهو التحرير”.
من هنا، لم يكن خبر العقوبات الأميركية على الحاج أحمد بعلبكي والحاج علي صفاوي حدثاً استثنائياً، بل بدا كأنه استمرارٌ طبيعي لحربٍ طويلة على كل من اختار أن يكون جزءاً من وجع الجنوب وكرامته وصموده. فالإمبراطوريات، عبر التاريخ، لم تكن تخشى الضعفاء، بل كانت تخشى الرجال الذين يتحولون إلى فكرة، وإلى ذاكرة جماعية، وإلى يقينٍ لا يُهزم.
أما الحاج أحمد بعلبكي، فهو ليس مجرد اسمٍ على لائحة عقوبات، بل حكاية جيلٍ كامل من الرجال الذين عاشوا للمقاومة لا لأنفسهم. فيه تمتزج مدارس التضحية كلها؛ شيءٌ من المسيح الفادي الذي حمل وجع الناس بصمت، وشيءٌ من الحسين الذي عرف أن طريق الكرامة معبّد بالدم، وشيءٌ من بأس الإمام علي حين يتحول الدفاع عن الحق إلى قدرٍ لا تراجع عنه. هو ابن الأرض الذي لم يغادر ترابها يوماً، والحارس الذي أفنى عمره صوناً لأبناء الشهداء وعائلاتهم، مؤمناً أن دم الشهيد ليس حادثة حرب بل أمانة أمة بأكملها.
في حضوره، يمتد إرث المقاومين الكبار؛ ورثة محمد سعد، وخليل جرادي، وداوود، ومحمود، أولئك الذين صاروا جزءاً من الذاكرة الجنوبية ومن صلاة الأرض اليومية. رجالٌ لم يكتبوا أسماءهم بالحبر بل بالتعب والعرق والدم والصبر الطويل. والحاج أحمد واحدٌ من هذه السلالة التي لا تنكسر، لأن جذورها أعمق من كل العقوبات وأبقى من كل الإدارات والسياسات العابرة. لذلك، حين تعاقبه واشنطن، فهي في الحقيقة تعاقب صورة الرجل الذي بقي واقفاً حيث أرادت للآخرين أن ينحنوا.
وأما أبو أحمد، الحاج علي صفاوي، فقد صار الجنوب يسكن ملامحه كما يسكن هو تفاصيل الجنوب. اختلط وجوده بعطر التراب والزيتون والبيوت القديمة، وصار التعب جزءاً من يومه الطبيعي، لكنه تعب الذين يعرفون لماذا يعيشون ولماذا يصمدون. سنوات طويلة مرّت فوق كتفيه، لكنها لم تستطع أن تُتعب قلبه ولا أن تُطفئ حماسته للأرض والناس. هو من أولئك المقاومين الذين لا يبحثون عن صورةٍ أو مجدٍ شخصي، لأن علاقتهم بالأرض ليست علاقة سياسة، بل علاقة عشقٍ ووجود.
ومنذ أن قدّم المسيح نفسه فداءً للإنسان، تعلّمت البشرية أن أعظم الانتصارات تمر عبر التضحية. ومن كربلاء، بقي الحسين مدرسة الأحرار الذين يرفضون الذل ولو وقف العالم كله في الجهة الأخرى. ومن الإمام علي، بقي درس الشجاعة التي لا تنفصل عن العدالة والكرامة. هكذا يولد المقاوم الحقيقي: بقلبٍ يعرف المحبة حتى الفداء، وبروحٍ لا تخاف الموت لأنها تؤمن أن بعض القضايا أكبر من الحياة نفسها.
لهذا، لا تُخيف المقاومين عقوباتٌ ولا حصارات، لأنهم لا يقيسون أعمارهم بما يملكون بل بما يتركونه من أثرٍ في الناس والأرض. حسبهم أنهم ساروا في درب الحسين، واقتدوا بعلي، وآمنوا بأن التضحية ليست نهايةً بل بداية وطن. ولذلك سيبقى أمثال أحمد بعلبكي وعلي صفاوي… على لوائح أميركا ربما، لكنهم سيبقون أكثر رسوخاً في قلب الجنوب وذاكرته ووجدانه.

