الإعلامية جمانة كرم عياد
بسم الله الرحمن الرحيم
أعود أيها الأحبة، من حيث انقطع الصوت، ومن حيث تكسر الحرف على وقع القصف، ومن حيث دفن الفرح تحت الركام. ها أنذا أعود إليكم.
لم أكن بعيداة باختياري، بل كان البعد جُرحاً أضيف إلى جروح الجنوب. لقد كانت الحرب علينا طاحنة كما لم تكن حرب من قبل. مفجعة، ومؤلمة، تسحق الروح قبل الجسد. كم من أهل رحلوا؟ كم من أقارب سقطوا؟ كم من أصدقاء غدوا شهداء، فداءً لهذه الأرض الطاهرة، للجنوب الذي لم يخن مبادئه يوما، والذي خانتَه الدنيا كلها.
نزحنا، ليس جبناً، بل لأن الحياة تريد شهوداً لا شهداء فقط. هجرنا بيوتنا والحنين يطعن ظهورنا، واللهف يحرق قلوبنا. كل خطوة في طريق النزوح كانت تسأل: متى العودة؟ وكل تأوه كان يرد: قريباً إذا شاء الله.
ابتعدتُ عنكم أيها الأحبة، وعن وسائل التواصل، ليس زهداً فيكم، بل عجزاً عن صياغة الكلمات في زمن صار فيه الحرف دما. كيف أكتب وأناس من لحمي ودمي غادروا الحياة؟ كيف أشارك صورة وهناك بيوت بل قرى سويت بالأرض؟
لكن، للحياة حكمتها القاسية والجميلة معاً. تعلّمت أن الحياة يجب أن تستمر، مهما كانت الظروف. تعلّمت أن المواجهة أشرف من الهروب، وأن الصمت أحياناً يكون خيانة صغيرة.
لذلك قررت العودة.
سأعود إليكم، لأكتب معكم صفحة جديدة لا ننسى فيها القتلى بل نكرمهم بالصمود. لأؤكد أن هذه الآلة الصهيونية المتوحشة، التي تظن أن الموت يخيفنا، لا تعرف أننا وُلدنا من رحم الموجع، وأن كل شهيد يمنحنا عشرات الأسباب للحياة.
لن ننهزم. لن ننكسر. سنواجه آلة الموت بالحياة، ونقاتل الظلام بالقلم، ونقول للعالم: ما زلنا هنا، وما زلنا نقاوم، وما زلنا نحب الجنوب رغم كل الدماء.
أعود أيها الأصدقاء، لأخبركم بأن النصر يولد من رحم الجراح.
عاشت المقاومة، وعاش الجنوب، وعاش الذين يستحقون الحياة.
