العفو العام.. بين المصلحة العامة وحقوق الأفراد – كتب المحامي علي كوثراني

في كل مرة يُطرح فيها قانون عفو عام، يعود الجدل ذاته:

هل الغاية تخفيف الاكتظاظ داخل السجون؟ معالجة ظروف استثنائية؟ أم تصحيح خلل اجتماعي وقضائي تراكم عبر السنوات؟

إلا أن ربط الاستفادة من العفو العام بإسقاط الحق الشخصي من قبل المدعي يفتح باباً قانونياً وأخلاقياً بالغ الحساسية، لأنه ينقل جزءاً من مصير الدعوى العامة من نطاق الدولة إلى إرادة الأفراد.

فمن الناحية القانونية، يُفترض بالعفو العام أن يكون عملاً تشريعياً ذا طابع استثنائي، تمارسه الدولة انطلاقاً من اعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة، الاستقرار الاجتماعي، أو السياسة الجزائية. وبالتالي، فإن إخضاع سقوط العقوبة أو الملاحقة لإسقاط الحق الشخصي يطرح تساؤلاً جوهرياً حول مدى تحوّل العدالة الجزائية إلى عدالة تفاوضية مرتبطة بالقدرة على الوصول إلى تسوية مع المتضرر.

وفي الواقع العملي، قد يؤدي هذا الشرط إلى خلق تفاوت بين المحكومين أو الموقوفين أنفسهم؛ فهناك من يستطيع الوصول إلى تسوية مالية أو اجتماعية تؤدي إلى إسقاط الحق الشخصي، وهناك من يبقى عاجزاً عن ذلك رغم توافر الشروط الإنسانية أو الإصلاحية ذاتها. وهنا تبرز إشكالية المساواة أمام القانون، لا سيما عندما تصبح الحرية مرتبطة بالقدرة على التفاوض أكثر من ارتباطها بمبدأ العدالة بحد ذاته.

وفي المقابل، يرى اتجاه آخر أن اشتراط إسقاط الحق الشخصي يحقق نوعاً من التوازن بين حق المجتمع بالعفو وحق الضحية بالإنصاف، خاصة في الجرائم التي يطغى فيها البعد الشخصي أو المالي. فالعفو، وفق هذا المنطق، لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتجاوز حقوق المتضررين أو إلغاء أثر الجرم على الضحايا.

غير أن التحدي الحقيقي يبقى في إيجاد معادلة دقيقة بين مقتضيات العدالة، وضرورات الواقع الإنساني داخل السجون، وحقوق الضحايا، دون أن يتحول العفو العام إلى مجرد تسوية ظرفية تعالج النتائج وتترك الأسباب البنيوية للأزمة الجزائية والقضائية قائمة.

وفي ظل الاكتظاظ، بطء المحاكمات، والتدهور الاجتماعي والاقتصادي، قد يكون النقاش الحقيقي اليوم ليس فقط حول “من يشمله العفو”، بل حول أي سياسة جزائية يريدها لبنان في المرحلة المقبلة.

المحامي علي كوثراني

Leave A Reply