لبنان بين الانتماء المُصادَر وضرورة إعادة بناء القرار الوطني: قراءة سياسية على ضوء فكر الإمام موسى الصّدر 

في الحالة اللبنانية الرّاهنة، لم يعد السّؤال محصورًا في إدارة أزمة سياسية أو مواجهة استحقاق أمني، بل بات يتعلّق بجوهر فكرة الدّولة نفسها: من يملك القرار؟ ومن يُنتج الشّرعية السّياسية؟ وهل ما زال الانتماء الوطني جامعًا، أم تحوّل إلى انتماءات فرعية تُدار بمنطق الجّماعة الضّيقة لا منطق الدّولة؟

إنّ أحد أخطر ما يواجه لبنان اليوم هو تحوّل “الجماعة” – بمعناها الطّائفي أو السياسي أو الأيديولوجي – من إطار حمايةٍ للنّاس إلى إطارٍ يبتلعهم. فبدل أن تكون الجّماعة مساحةً للانتماء والتّكافل، أصبحت في كثير من الأحيان قفصًا مغلقًا يُعاد إنتاجه عبر الخطاب التعبوي، ويُمنع داخله السّؤال والمراجعة والنّقد، وكأنّ الاختلاف تهديد، لا شرط من شروط الحياة السّياسية السليمة.

وهنا تتجلّى إحدى أهم الإشكاليّات اللبنانية: اختلاط مفهوم “الولاء” بمفهوم “الصّمت”، وتحويل الاعتراض إلى خيانة، والمراجعة إلى خروج عن الصّف. بينما تؤكّد التّجربة السّياسية أنّ الأمم لا تنهض بالطّاعة العمياء، بل بقدرة أبنائها على مساءلة السّلطة داخل الجماعة نفسها قبل مساءلة الآخرين.

في هذا السياق، يكتسب فكر الإمام موسى الصدر دلالة عميقة، لأنّه قدّم منذ عقود قراءة مختلفة لمفهوم الانتماء السّياسي. فقد شدّد الإمام الصدر على أنّ “الطائفية ليست دينًا، بل مرضٌ يجب أن يُعالج”، في إشارة واضحة إلى أنّ تحويل الانتماء الطّائفي إلى هويّة سياسية مغلقة يؤدّي إلى تعطيل الدّولة وتفكيك المجتمع. كما أكّد في مواقفه أن “لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه”، وهو تصريح لا يمكن قراءته كشعار فقط، بل كإطار تأسيسي لفكرة الدّولة الجّامعة التي تعلو على الاصطفافات.

ومن منظور هذا الفكر، تصبح أزمة لبنان اليوم أزمة انحراف في وظيفة الجّماعات السّياسية: فبدل أن تكون جزءًا من الدّولة، أصبحت في كثير من الأحيان بديلًا عنها. وبدل أن تُسهم في إنتاج القرار الوطني، بات بعضها يُعيد إنتاج قراراته ضمن حسابات تتجاوز المصلحة اللبنانية العامّة، ما يخلق فجوة بين الدّولة كمفهوم، والدّولة كممارسة فعليّة.

إنّ العدوان الإسرائيلي المتكرّر على لبنان لا يمكن فصله عن هذا السّياق، لكنّه أيضًا لا يبرّر تعطيل السّؤال الدّاخلي حول كيفيّة إدارة الصّراع وحدود القرار الوطني. فالقوّة، كما يبيّن التّاريخ السياسي، لا تُقاس فقط بالقدرة على المواجهة، بل أيضًا بالقدرة على حماية المجتمع من الاستنزاف الدّائم. وهنا يبرز البعد الفلسفي لفكر الإمام الصدر الذي كان يرى أنّ “الإنسان هو القيمة العليا في كل مشروع سياسي”، وأنّ أي سياسة لا تحفظ كرامة الإنسان هي سياسة فاقدة لشرعيّتها الأخلاقية.

من هذا المنطلق، تصبح الإشكاليّة اللبنانية أعمق من مجرّد صراع سياسي أو عسكري، لتتحوّل إلى سؤال حول معنى الدّولة: هل الدّولة إطار جامع يضمن الأمن والعدالة والمساواة؟ أم أنّها مجرّد ساحة تتقاطع فيها مشاريع متنازعة تُدار أحيانًا خارج إرادة النّاس؟

لقد حذّر الإمام موسى الصدر في أكثر من مناسبة من خطورة تحويل الطّوائف إلى كيانات سياسية مغلقة، معتبرًا أن “الطائفية تقتل الوطن باسم حمايته”، وهذه الفكرة تكتسب اليوم بعدًا أكثر حدّة، في ظل واقع لبناني تتداخل فيه الولاءات وتضعف فيه مؤسسات الدّولة، ويصبح فيه المواطن موزّعًا بين انتماءات متنافسة لا تجمعها رؤية وطنيّة موحّدة.

إنّ الخروج من هذا الواقع لا يعني الخروج من الجماعة بالمعنى الاجتماعي، بل الخروج من الجمود داخلها. أي الانتقال من جماعة تُخضع الفرد إلى جماعة تُنتج مواطنًا، ومن انتماء يُلغي السّؤال إلى انتماءٍ يتغذّى على النّقد والمراجعة. فالمجتمعات التي تمنع النّقد تتحوّل تدريجيًا إلى مجتمعات مغلقة، بينما المجتمعات التي تسمح بالاختلاف هي وحدها القادرة على التطوّر والبقاء.

وفي ضوء فكر الإمام الصدر، يمكن القول إنّ الأزمة اللبنانية ليست أزمة طوائف بقدر ما هي أزمة دولة غائبة عن دورها الطبيعي، وأزمة ثقافة سياسية لم تكتمل بعد في الانتقال من منطق الجماعة إلى منطق الوطن. لذلك، فإنّ إعادة بناء لبنان لا تمر فقط عبر التّسويات السياسية، بل عبر إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والجماعة والدّولة، بحيث لا تكون أي جماعة بديلًا عن الدّولة، ولا تكون الدّولة أداة بيد أي جماعة.

إنّ لبنان اليوم بحاجة إلى جرأة فكرية تعيد الاعتبار لفكرة الدّولة الجّامعة، وإلى وعي سياسي يعيد الاعتبار للإنسان كقيمة مركزية، تمامًا كما أراد الإمام موسى الصدر حين جعل من العدالة والإنسانيّة والعيش المشترك أساسًا لأي مشروع وطني حقيقي.

فالأوطان لا تنهض حين تُقدَّس الجماعات، بل حين تُبنى دولة تتّسع للجميع، وتسمح للجميع بأن يكونوا مختلفين دون أن يكونوا متخاصمين، وأن يكونوا منتمين دون أن يكونوا أسرى.

   الدكتور: عبّاس حيدر الأحد في 17/5/2026

Leave A Reply