الهدنة المؤقتة: هدير حرب مؤجلة لا تسوية دائمة

د. محمد عاصي-

إنّ تمديد الهدنة لمدة ٤٥ يوماً بين لبنان وإسرائيل لا يُختزل، في مقاربة القانون الدولي والعلاقات الدولية، بكونه إجراءً ميدانياً لضبط إطلاق النار، بل يُعدّ مؤشراً سياسياً ـ قانونياً على انتقال النزاع من مرحلة المواجهة المفتوحة إلى مرحلة “إدارة الصراع” تحت سقف التوازنات الإقليمية والدولية.
ففي المفهوم القانوني، الهدنة المؤقتة لا تُنشئ حالة سلام، ولا تُنهي حالة العداء، بل تؤسس لما يمكن وصفه بـ«التعليق المنظم للأعمال العدائية». أي أنّ النزاع يبقى قائماً من الناحية القانونية والسياسية، إلا أنّ الأطراف، بصورة مباشرة أو عبر وسطاء، تتوافق على تجميد استخدام القوة لفترة محددة منعاً لانزلاق الوضع إلى حرب شاملة قد تهدد الأمن والاستقرار الإقليميين.
أما سياسياً، فإنّ تمديد الهدنة لمدة ٤٥ يوماً يحمل جملة من الدلالات الاستراتيجية:
أولاً، يعكس وجود إرادة دولية وإقليمية لمنع توسيع نطاق الاشتباك، خصوصاً في ظل تشابك الجبهات الإقليمية وتداخل المصالح الدولية في شرق المتوسط.
ثانياً، يدل على أنّ ميزان القوى لم يحسم الصراع بصورة نهائية، ما يدفع الأطراف إلى اعتماد سياسة “إدارة الوقت السياسي” بانتظار تبدّل المعطيات الميدانية أو نضوج التسويات.
ثالثاً، يشكّل التمديد اعترافاً ضمنياً بأنّ الحلول السياسية النهائية ما زالت غير متوافرة، وأنّ ما يجري هو عملية احتواء مؤقت للأزمة لا معالجتها جذرياً.
وفي إطار نظريات العلاقات الدولية، يمكن تفسير هذا التمديد ضمن مقاربة “الردع المتبادل منخفض الحدة”، حيث يسعى كل طرف إلى الحفاظ على قواعد اشتباك تمنع الانفجار الكبير، من دون التخلي عن أدوات الضغط الاستراتيجي. وبالتالي تصبح الهدنة أداة لإعادة تنظيم التوازن، لا أداة لإنهاء النزاع.
أما من زاوية القانون الدولي الإنساني، فإنّ تمديد الهدنة يرتب التزامات عملية على الأطراف، أبرزها:
وقف الأعمال العدائية،
حماية المدنيين،
الامتناع عن أي إجراءات تؤدي إلى تقويض الاستقرار،
وإفساح المجال أمام المساعي الإنسانية والدبلوماسية.
إلا أنّ الأهمية الأعمق لهذا التمديد تكمن في كونه يعكس انتقال الملف من الإطار العسكري البحت إلى إطار “الإدارة الدولية للنزاع”، حيث تصبح قرارات الميدان مرتبطة بحسابات تتجاوز الحدود الثنائية، لتشمل توازنات الإقليم، ودور القوى الكبرى، وموقع كل طرف ضمن البنية الأمنية للشرق الأوسط.
وعليه، فإنّ تمديد الهدنة لا يعني سلاماً، بل يعني أنّ الحرب أُرجئت سياسياً، وأُخضعت مؤقتاً لمنطق الضبط الدولي والإقليمي بانتظار إعادة تشكيل موازين القوى أو إنتاج تسوية أشمل.
غير أنّ الإشكالية الجوهرية تبقى مطروحة: هل يمكن الحديث فعلاً عن هدنة قائمة في لبنان، فيما تستمر الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية عبر الخروقات الجوية، والاستهدافات الأمنية، والعمليات العسكرية المتقطعة؟ أم أنّ ما يُسمّى هدنة ليس سوى إطار سياسي لتنظيم مستوى الاشتباك، فيما تستمر الحرب بأشكال مختلفة تحت عتبة المواجهة الشاملة؟
ففي القانون الدولي، الهدنة تُقاس بمدى الالتزام الفعلي بوقف الأعمال العدائية، لا بمجرد الإعلان السياسي عنها. ومن هنا، يبرز السؤال الأكثر خطورة: هل نحن أمام هدنة حقيقية، أم أمام إعادة تعريف للحرب نفسها بما يسمح باستمرار الضغط العسكري والأمني تحت غطاء التهدئة

Leave A Reply