لبنان بين العدوان الإسرائيلي وأزمة القرار

في الأوطان التي تُستنزف بالحروب، لا يسقط الضحايا فقط تحت الركام، بل تسقط أيضًا أسئلة كبرى تتعلّق بمعنى الدولة، وحدود القرار، وقيمة الإنسان في معادلات السياسة والصراع. ولبنان، ذلك البلد الصغير المثقل بالطوائف والانقسامات والأحلام المؤجّلة، يجد نفسه مرّة جديدة أمام مشهد مأساوي يدفع فيه المجتمع ثمن الحسابات الخاطئة، وسوء تقدير موازين القوى، وغياب الرؤية الوطنية الجامعة.

فالعدوان الإسرائيلي على لبنان ليس حدثًا معزولًا عن تاريخ طويل من العنف والاحتلال والصراع، لكنه أيضًا يكشف هشاشة الداخل اللبناني، حين تتحوّل القرارات المصيرية إلى رهانات تتجاوز قدرة المجتمع على الاحتمال. هنا لا يعود السؤال فقط عن وحشية العدو، بل عن الحكمة في إدارة المواجهة، وعن حقّ الناس في أن يعيشوا بعيدًا عن مشاريع الإنهاك الدائم.

المأساة الحقيقية تبدأ عندما تصبح الجماعات أكثر اندفاعًا من الدولة، وعندما يُدار مصير المجتمع بمنطق العاطفة والشعارات بدل الحسابات العقلانية الدقيقة. فالفلسفة السياسية منذ أفلاطون حتى هابرماس أكّدت أن وظيفة السلطة الأساسية هي حماية المجتمع، لا تعريضه للفناء المعنوي والاقتصادي والإنساني. وعندما تُصبح الحروب مفتوحة بلا أفق سياسي واضح، يتحوّل الناس إلى وقود لصراعات أكبر منهم، فيما تتآكل المؤسسات، وتنهار الثقة، ويهاجر الشباب بحثًا عن حياة طبيعية.

لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة: قرى مدمّرة، عائلات مشرّدة، اقتصاد يحتضر، وخوف جماعي يتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية. والأسوأ من ذلك كلّه، هو اعتياد الألم. فحين يصبح الدمار خبرًا عابرًا، والموت رقمًا في نشرات الأخبار، يكون المجتمع قد دخل مرحلة خطيرة من التكيّف النفسي مع الكارثة، وهي المرحلة التي يفقد فيها الإنسان حساسيته تجاه المأساة.

اجتماعيًا، أدّت الحروب المتكرّرة إلى تصدّع مفهوم الدولة نفسها. فبدل أن يشعر المواطن بأنه ينتمي إلى وطن يحميه، أصبح كثيرون يشعرون أنهم مجرّد أفراد عالقين بين مشاريع متناقضة، يدفعون ثمن الانقسامات الإقليمية والتجاذبات الدولية. وهنا تظهر أزمة القرار الوطني: من يملك حقّ تقرير مصير الناس؟ ومن يتحمّل مسؤولية النتائج حين تتحوّل الحسابات إلى أخطاء كارثية؟

إنّ أخطر ما يواجهه لبنان اليوم ليس فقط العدوان الخارجي، بل غياب المراجعة النقدية الداخلية. فالمجتمعات التي لا تراجع أخطاءها تبقى أسيرة التكرار. والوعي السياسي الحقيقي لا يعني تبرير الهزائم أو تجميل المآسي، بل امتلاك الشجاعة للاعتراف بأن حماية الإنسان يجب أن تكون فوق كل اعتبار أيديولوجي أو فئوي.

لا يمكن لأي مشروع مقاومة أو سلطة أو خطاب سياسي أن ينجح إذا خسر الناس شعورهم بالأمان والاستقرار والكرامة. فالوطن ليس ساحة اختبار دائمة، وليس مجتمعًا قابلًا للتضحية المستمرة بلا حدود. إن قيمة الأوطان تُقاس بقدرتها على حماية الحياة، لا فقط بإنتاج الشعارات.

لبنان اليوم يقف عند مفترق حساس: إمّا الاستمرار في دوّامة الإنهاك والصراعات المفتوحة، وإمّا الانتقال إلى مرحلة جديدة يكون فيها العقل السياسي أكثر نضجًا، والدولة أكثر حضورًا، والإنسان أكثر قيمة من الحسابات الضيقة. لأن المجتمعات لا تنهار فقط بالقصف، بل أيضًا حين يغيب عنها الوعي، وتضيع فيها الأولويات، ويصبح الألم قدرًا يوميًا لا أحد يجرؤ على مساءلته.

وفي خضمّ هذا النقاش، لا بدّ من التأكيد أنّ مقاومة الاحتلال تبقى حقًا مشروعًا تكفله القوانين الدولية وتفرضه كرامة الشعوب التي ترفض الخضوع والهيمنة. فالدفاع عن الأرض والإنسان ليس ترفًا سياسيًا، بل حق طبيعي وأخلاقي لكل مجتمع يتعرّض للاعتداء. غير أنّ مشروعية المقاومة تفقد جزءًا كبيرًا من معناها حين تتحوّل إلى أداة مرتبطة بحسابات خارجية أو رهانات إقليمية تتجاوز مصلحة الوطن والناس. فالمقاومة الحقيقية تنطلق من إرادة المجتمع في حماية أرضه وسيادته، وتبقى مرتبطة بوجع الناس وأمنهم ومستقبلهم، لا بمشاريع النفوذ أو صراعات المحاور. وعندما يشعر المواطن أنّه شريك في القرار الوطني، وأنّ دماء أبنائه ليست مجرّد أوراق تفاوض في ساحات الآخرين، تتحوّل المقاومة إلى حالة وطنية جامعة لا إلى عنصر انقسام داخلي. فالأوطان لا تُحمى فقط بالسلاح، بل أيضًا بوعي سياسي يوازن بين حقّ الدفاع عن الأرض وحقّ الناس في الحياة والاستقرار والكرامة.

             د. عباس حيدر السبت في 16/5/2026

Leave A Reply