النّصر في زمن الحرب: بين الحقيقة والخطاب – د.عباس حيدر

في لحظة الحرب، تتكثّف الكلمات وتشتدّ وطأتها، وتصبح كلمة “النّصر” أكثر الكلمات حضورًا… وأشدّها التباسًا. في المواجهة مع إسرائيل اليوم، لا يمكن اختزال النّصر بصورةٍ واحدة، لأنّ الحرب نفسها ليست حدثًا بسيطًا، بل شبكة معقّدة من الميدان والسّياسة.
نعم، هناك بُعدٌ واضح: الصّمود، القدرة على الرّدع، ومنع فرض الإرادة بالقوّة. هذه عناصر تُحتسب ضمن ميزان أي مواجهة. لكنّ السّؤال الأعمق لا يقف هنا… بل يبدأ من هنا.
هل النّصر أن تصمد؟ أم أن تغيّر المعادلة؟
هل هو في ما يحدث أثناء الحرب؟ أم في ما يبقى بعدها؟
في الواقع اللبناني، تصبح الكلمة أكثر حساسيّة، لأنّ كلفة الحرب لا تُقاس فقط عسكريًا، بل:
بدماء الناس،
ببيوتٍ تُهدّم،
باقتصادٍ يزداد هشاشة،
بمجتمعٍ يعيش على حافّة الانهيار.
هنا، يظهر التّناقض الصّعب:
قد يتحقّق “نصرٌ ميداني” بمعنى منع الهزيمة أو فرض توازن، لكن في الوقت نفسه، قد تتراكم خسائر داخليّة قاسية. فهل نكتفي بتعريفٍ واحدٍ للنّصر، أم نحتاج إلى قراءةٍ مزدوجة تعترف بالقوّة… ولا تُنكر الكلفة؟
المشكلة ليست في الإيمان بفكرة المقاومة أو رفض العدوان، فهذا حقّ مشروع، بل في تحويل “النّصر” إلى كلمةٍ تُغلق باب الأسئلة. لأنّ أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تصبح الكلمة بديلًا عن التّقييم الحقيقيّ:
ماذا تغيّر فعليًا بعد كل جولة؟
هل أصبح لبنان أكثر أمانًا أم أكثر هشاشة؟
هل اقتربنا من الاستقرار أم من دورة صراع جديدة؟
في مواجهة إسرائيل، النّصر لا يكون فقط بعدم الهزيمة، بل بقدرتك على:
حماية مجتمعك من الانهيار،
تقليل الخسائر قدر الإمكان،
تحويل المواجهة إلى عنصر قوّة داخليّة لا عامل استنزاف دائم.
أما إذا بقيت الحرب تُنتج “انتصاراتٍ خطابية” مقابل استنزافٍ داخليّ مستمر، فإن الكلمة تفقد معناها تدريجيًا، وتتحوّل إلى غطاءٍ نفسيّ أكثر منها توصيفًا واقعيًا.
في هذه الحرب، النّصر ليس شعارًا يُرفع، بل معادلة دقيقة بين الصّمود والكلفة، بين الكرامة والحياة، بين الميدان وما بعده.
وكل تعريفٍ للنّصر لا يرى الإنسان في قلبه… يبقى ناقصًا، مهما علا صوته.
*د. عبّاس حيدر*

Leave A Reply